الصفحة 9 من 28

هذه كلمة حكيمة، لم أجدها إلا من نقل أنور الكشميري في"فيض الباري".

يبدو لك هذا القول مقلوبًا، وليس كذلك، فالناس يظنون أن كثرة الذكر تؤدي للحفظ، وهو صحيح، ولكن كثرة الذكر تؤدي للفهم كذلك، وأما التعليل والفهم فهو طريق الحفظ كذلك، وهذا المعنى يعرفه الناس من أنفسهم، إذ تكرار الكلام والتأمل فيه نظرًا من أفضل طرق الفهم عليه وإدراك أسراره، وكم سمعنا من قال: ما زلت أردده حتى فهمته، وكذلك التعليل وهو التفسير ومعرفة المعنى تؤدي بك إلى حفظ الكلام واستقراره في النفس.

مع أن القرآن لا تأتيك فيوضاته جملة واحدة، وكما نزل القرآن مفرقًا فهو يكشف لك معانيه على وفق تنزله، ليكون كما قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} ، ولذلك واجب على من أراد معاني القرآن والتدبر فيه، واستخراج كنوزه أن يحبس نفسه عليه تاليًا قارئًا، وأن يعرف أوقات التنزلات العظمى، وذلك في الصلاة، وفي السحر، فهذا وقت يبسط ربنا يده ليعطي ويمن، واعلم أن التدبر عبادة، وقراءة القرآن عبادة، فأنت مع هذا الحال لا ينفع تحصيل الجواهر دون الرقي في هذا المقام من عبودية رب العالمين.

ويحدثنا أحدهم بأن كل ما كتبه عن القرآن ومعانيه، وكل ما استخرجه من درر إنما جاءه وقت القيام في السحر، بسر لا يفهمه، إلا أن المعاني تنثال عليه على هذا الحال وفي هذا الوقت، وهذا سر من أسرار التعبد لتحصيل العلم، وهي حال الصالحين، باستغفارهم وسؤالهم لربهم ليحصل لهم فك المشكلات من مسائل العلم.

وكشف هذا المعنى كالتالي: أنك حين تقوم باحثًا عن نفس إنسان ما، فلا بد من النظر لفعله، والتبصر بكلامه، تلتقط كل ما قال وعمل، حتى تعرفه تمام المعرفة، وتدرك ما انطوت عليه نفسه من خلق وفضائل، وتبصر ملكاته، وهذا لا يكون إلا بطول المكث معه ومع كلامه وأحواله، وهذا حال العبد مع ربه، فإنه إن أقام قارئًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت