الصفحة 21 من 28

والبلاغي بينهما لا يكاد يدرك إلا لحافظ، وهذا أعظم من قضية الاجتهاد الفقهي، فإنهم مع اختلافهم في شرط الحفظ للمجتهد إنما بحثوا فيها لما يلزمه من معرفة آيات الأحكام وموطنها، وأمر التدبر أوسع من ذلك بكثير، حتى هذا الذي قالوه فيه نظر، فالصواب أن القرآن كله آيات أحكام، حتى الأخبار القرآنية هي أحكام شرعية كما هو مبسوط في مكانه.

والعابد يحتاج إلى ترنم وقت خلوته، ووقت اشتغاله، ليستريح، وليس هناك أعظم من الحفظ لحصول هذا الترنم والاسترواح.

ففي"صفة الصفوة"، أن شيخًا سأل عابدًا: أتحفظ القرآن؟ قال: لا، فقال: فوا غوثاه بالله، مريد لا يحفظ القرآن!! فبم يتنعم!! وبم يترنم!! وبم يناجي ربه عز وجل!!.

فالحفظ ومعاناته تكشف لك درره، إذ يبدأ السؤال: لمَ اختلف اللفظ هنا عن هناك؟ ولمَ جاءت هذه الكلمة هنا دون سواها؟ والمرء لا يرضى الحفظ بلا فهم، وهذا تراه في العامي الحافظ، يسأل ليعلم ما غاب من المعاني عنه.

وقد وصف الله تعالى مكان القرآن فقال سبحانه: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} فمكان القرآن هو صدور العلماء، فهذا شرطان، شرط المكان وشرط الفهم، فلا يحصل الفضل التام إلا باجتماعهما: أن يضعه المرء في صدره حافظًا له، وأن يفقهه علمًا.

ثم أنت تعلم مقام أبي عبد الرحمن السلمي من القرآن، فهذا التابعي الجليل الذي أخذ القرآن عن عثمان وعلي رضي الله عنهما، جلس في المسجد يعلم القرآن من زمن عثمان رضي الله عنه حتى زمن الحجاج، ما أجلسه إلا حديث عثمان المرفوع: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) . كما ذكر هذا البخاري في صحيحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت