حول هذا الباب، وهو سر قرآني غريب، يكشف للمرء منه قبسًا، يحسه أكثر من كلماته، ويبقى هذا المعنى كامنًا في النفس، سرًا يطوي عليه حناياه، متنعمًا به لحلاوته، شقيًا أن لا يستطيع كشفه، وتبقى كلمة علي رضي الله عنه هي معيار هذا الباب:"لا يخلق من كثرة الرد"،"ولا تنقضي عجائبه"، ليعود المرء إليه مرة بعد مرة، يحس بنور الكلمات على نفسه، وبانثيال المعاني على عقله، مجليًا لإرادة الفعل التي تقيم على الطاعة، ناهيًا النفس عن غيها، وهو سر قرآني ليس لغيره أبدًا في قوته وسطوته.
صلاح الوعاء وقوة الآلة
والنفوس أوعية، وآلات، فمع النفس التي لا تصلح وعاءً لا تكون المعاني ولا الهبات، ومع ضعف الآلة يضعف النبط والاستخراج، فلا بد من صلاح النفس وقوة الآلة، ليتهيأ لصاحبهما أخذ الكنوز واجتناء المعاني، وكل سوء في النفس يسئ للمعنى، وكل ضعف في الآلة يمنع الذهاب للباطن الخفي من الدرر والجواهر، ولذلك لا بد من صلاح النفس، وهذا بين في قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... } وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} {وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} وهذا المعنى كثير في القرآن فيه الدلالة أن صلاح الوعاء شرط للتدبر والعظة والتأثير، وأما قوة الآلة فالله يقول: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} وقوله: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} وقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .
وقد جمع الله سبب ضلال الناس عن القرآن بضد هذين الشرطين فقال سبحانه: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ} فالظن ضد حكم الآلة وقوة ادراكها، والهوى ضد صلاح الوعاء، ولذلك لا يفتح الله معاني الإيمان التي يهتدي بها البشر