على فاسد الوعاء عي العقل، فمن ضرورات هذا الطريق أن يقوم المرء على صلاح قلبه من أمراضه، وأعظم الأمراض هو الكبر، والكذب، وأنت تعلم أن أصدق الناس رؤيا هو أصدقهم حديثًا، وذلك أن الرؤيا من الغيب، وعطاياه، وتنزل المعاني كذلك، فمن فسد وعاء قلبه لم يصلح لهذه التنزلات الإيمانية، وأما الكبر فهو رفعة النفس بالباطل، وهذا الغيث من معاني القرآن لا يتعايش مع مثل هذه النفوس، ولذلك قال سبحانه: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} .
ولذلك كلما ازداد المرء قربًا من الله ازداد معرفته لنفسه ومعرفته لربه، وهذان يعنيان تواضع النفس وتعظيم الرب، فبهذا يحصل صلاح الوعاء لتنزلات هذا القرآن الإيمانية.
وأما الكذب فهو فساد النفس في رؤيتها للمعاني، لأنها لا تخبر بالحقائق إن حصل لها تنزلات القرآن بل تخبر بضدها أو بخيالاتها، فإن صلحت بالصدق كان فيها بعض فيض النبوة ومعانيها، وشرط هذا شرط النبوة؛ وهو الصدق الذي لا يشوبه الكذب، والتنزلات بمعانيها أصلًا وفرعًا.
والقرآن وإن انتهى تنزله، لكن لم تنته تنزلاته، ولا تنقضي معانيه أبدًا، بل هي تتجدد وتكثر ما بقي ناظر لكتاب ربنا بشرط النظر من الصدق والتواضع، مع قوة الآلة اللازمة للنظر.
وقوة الآلة فيها بعض فضل إلهي فطري، لكن يمكن تجاوز هذا بالتمرين والمراس، وذلك بكثرة إعمال آلة العقل، فتحصل فيه الحكمة الناشئة عن المراقبة، وعلوم الشرع من أعظم ما تقوي هذه الآلة، وخاصة أصول الفقه وعلم الحديث، وتتويج هذين العلمين بالنظر في طرائق العلماء في استنباط الفقه ومعرفة طرق الترجيح بين الأقوال، والتبصر الطويل في الجدل العلمي المهتدي بنور الكتاب والسنة.