الصفحة 139 من 660

وقالت طائفة ثالثة: إن التقاطها مكرمة، وفيه أيضًا مذاهب أخرى، والحق في هذه المسألة التفصيل، فإن علم من نفسه القيام بالمشروع وتعريف اللقطة وغلب على ظنه حفظها والقيام بحقوقها فإن التقاطها حينئذٍ مستحب، لقول الله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ، وأما إذا خشي من نفسه عدم القيام بحقوقها وعدم أداء الأمانة فيها فهو بخير النظرين: إما أن يدفعها للجهات المختصة لتقوم بدورها وتبرأ ذمته حينئذٍ، وإما أن يدعها فيلتقطها من يقوم بها على الوجه المطلوب، لأنه بهذه الحالة ربما أخذها ولم يعرفها فيأثم، فتركها حينئذٍ خيرٌ من أخذها، وأخذها بهذه الحالة يتراوح ما بين الكراهة والتحريم.

قوله: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين» :

أي إما أن يعفوا ويقبلوا الدية، وإما أن يطلبوا القصاص، وهذا باستثناء قتل الغيلة، فيجب إنفاذ القصاص بالجاني، وبهذا قال الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وذهب بعض العلماء إلى عدم الوجوب، والحق الوجوب وإن عفا أولياء المقتول، لأن قتل الغيلة يسبب فسادًا في الأرض، فوجب حينئذٍ إقامة حق الله لينكل من توسوس له نفسه بهذا الفعل العظيم.

وقد اختلف العلماء رحمهم الله أيهم أفضل: العفو عن القاتل أم طلب القصاص؟. ظاهر القرآن يؤيد القول الأول لقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} .

وذهب بعض العلماء إلى التفصيل في هذه المسألة، فإن كان القاتل من أهل الخير وأهل الصلاح ولكنه غضب أو سولت له نفسه بهذه القضية ولم يعرف عنه الشر فالعفو في هذه القضية أفضل، لأنه لا يخشى تكرر هذا من مثل هذا الرجل، وأما إن كان القاتل معروفًا بالفساد والإفساد، فالأولى طلب القصاص وعدم العفو عنه، لأن العفو عن مثل هذا يؤدي إلى إزهاق نفوس أخرى، وأما قضية المبالغة في طلب الدية فهذه القضية جائزة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت