فهرس الكتاب
واحتقارهم وعدم اعتبارهم في النوازل العظيمة التي تتعلق بالجهاد وإحياء الأمة! ولذلك ما أن يتكلم (عالم) في مسألة نظرية حتى يبرز له (جاهل) يسفّهه، بل يسبّ عليه ويتهمه، وهذا قد يكون متخفيًا مجرمًا من أنصار الكفر والردة، وقد يكون جاهلًا من سفهاء المسلمين الذين خرجوا حديثًا من منازل الفسق والفجور! فما زلت نفسيّته مغموسة في قيم بيته وأهله وأصدقائه الفسقة، الذين فارقهم حديثًا بجسده، وهو يعيش مع قيمهم في روحه .. بل قد تجده قد جاء مع بيئته الساقطة بمجموعها إلى الصلاة والجهاد كذلك! فهو فارض بتشبيحه وخصال الفجور لديه إيقاعه على البيئة الجديدة، فأي صراع بينه وبين تقي أو عالم فهو المنتصر لعدم وجود القوارع التي تؤدبه وتزجره! بل قد يكون واقع القتال يسير نحو هذا النوع من الإيقاع النفسي الذي يحمله هذا الشبّيح المهتدي جديدًا، وهذه الصورة هي عين صورة التنظيمات الإسلامية السياسية حين يأتي إليها العشائري المتقدم، أو الغني الثري، فبمجرد وجوده في بيئة الإسلام الذي يقيم أهمية للمال أو العشيرة فيتقدم بسرعةٍ على كل قيم الإسلام من العلم والسبق والبلاء .. ذلك لأن كل بيئة إسلامية تحمل مرضًا ما، ومن خلال هذا المرض يتسلل الصغار إلى المقدمة، ويسري المريض مسرعًا نحو القيادة!.
من الواجب إعادة صياغة واقع العاملين للإسلام ليقدم العالم على الجاهل، وصاحب الحكمة والعقل على السفيه الوقح الذي يفرض إيقاعه بالصوت والترهيب، وصاحب التجربة على حامل حقائب المال؛ وهكذا تبرز قيم الإسلام في داخل المجتمع الإسلامي الصغير، أي الجماعة، لتتمكن بعد ذلك من فرضه في عالم الآخرين. لكن كذلك من الواجب المتحتم على العلماء خصوصًا أن يخرجوا من ربقة الطواغيت إلى الاستقلال، ومن الثراء إلى الزهد، ومن السكوت كشياطين خرس إلى دعاة حق وصدع به، لتحصل لهم الإمامة شرعًا وقدرًا، فمن غير العلماء ستبقى حركات الجهاد والدعوة تعيش طفولة ومراهقة، وما يبنى اليوم سيهدم غدًا، لأن هذا شأن السفهاء والمترفين! فأحدهم لا يقيم حقًا، وآخر لا يذهب بعيدًا في صراعه مع الجاهلية، مخافة ذهاب مصالحه! ليتقدم العلماء بقوة مع التضحية ليتأخر السفهاء والمترفون، وحينها سيكون للنصر طعم آخر، وللجهاد صورة أخرى .. !