الصفحة 232 من 457

لا غرو أن يطير اسمه من خلال تبني القوميين له، والتغني به، بل بني له تمثال في بغداد. ولا يغرك بعض قصائد له فيها التشكي وذم الوزراء وأحوال البلاد، فبطولتهم زائفة.

24 > التعلق بالقدر لمعرفة الحق من الباطل لا تكون أصالة ولا في الابتداء، بل الحق يعرف بدليله الشرعي، ثم يكون من أدلة الاستئناس النظر إلى واقعه، والأولى في هذه الأيام ابتعاد التقي عن هذا الباب، وذلك لانتشاره (أي التحليل للوقائع) بطريقة لا تمت إلى العلم بصلة، ولو صح الاستشهاد بالقدر على طريقة المعاصرين، وهي للأسف من ميراث اليساريين والقوميين.

أقول: لو صح تحليلهم لكان موسى عليه السلام عميلًا لفرعون، لأنه تربى في قصره، ولو أراد بعض بني إسرائيل اتهامه بعد قولهم (أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) أنه إنما أراد قتلهم واستئصالهم برميهم في التيه هذا إن نجو من فرعون، ولقال بعضهم: استعجل موسى ليدمرنا ويخرجنا من حياتنا للمواجهة قبل حصول سببها وشروطها إعمالًا لخطة فرعون؛ وبالتالي موسى عميل.

وكذلك لقال المحللون على هذه الطريقة نفس المقالة في إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يكسر الأصنام، وقد شرحت هذا في كتابي"على خطا الخليل".

واليوم صار هذا التحليل فن الجهلة، وعمل من لا عمل له، كحال الرقية والاتجار على مرضى المسلمين المساكين، إذ كلما أراد الواحد منهم الطعن في شيء بحث له عن وجه من وجوه واقعه ليتخذه سببًا في الإسقاط والتشويه.

ومما يعرفه الكثيرون أن هناك مجالس لأجهزة المخابرات مع المحللين هؤلاء، ومع الصحفيين كذلك، يلقون لهم الأخبار الكاذبة تمامًا أو الصادقة ولكن على طريقة الشيطان في إلقائه للكهان، واحدة صحيحة ومئة مختلقة لتمريرها للناس في أحاديثهم وتحليلاتهم، وللناس شغف بهذا، بل يعدون الموغل بل والمغرب بالعجائب محللًا عظيمًا، وصدق صديقنا عندما قال: هذا تحليل بول لا سياسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت