فهرس الكتاب
25 > عندما أبطلت التعلق بالفعل القدري للحكم على الأشخاص والجماعات إنما كان إعمالًا لقاعدة أهل العلم في عدم اعتبار الاحتمالات العقلية لعدم ضبطها، ولكونها لا يمكن أن تتوقف، فالاحتمالات العقلية باب من التفسير لا ينقضي ولا ينتهي كما يعرفه كل عاقل، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يحكم على الأشخاص والجماعات؟ هذا باب يجب على طالب العلم اليوم، ومثله العامل في حقل الدعوة والجهاد، أن يتعلمه؛ لأنه به يستطيع ضبط الأحكام التي يطلقها الخبثاء ضد خصومهم، وبه يستطيعون اكتشاف التشغيب وبث الشائعات عليهم، وكذلك هو واجب من واجبات العلم لئلا يلدغ المسلم مرتين من نفس الجحر، فالمؤمن ليس كذلك.
ونحن المسلمين في هذا الباب من أضعف الناس، مع وجود الهداية الربانية الحاكمة لفعل البشر، ولسيرة النبي الهادي في ذلك خير هداية، وما زلنا يتلعب بنا على صعيدين:
تقدمة الخبثاء للقيادة واتباع الغوغاء لهم، وحمل هؤلاء الخبثاء الأمة للسير في طريقهم لتنفيذ مراد المجرمين فينا، ومثله صناعة الجماعات والأحداث التي يطير بها الناس أملًا بأن يكون فيها الخلاص، وإنما هي نار وسراب.
والصعيد الثاني: إسقاط الرموز والجماعات العاملة لدين الله عن طريق بث الإشاعات بوجود الاحتمالات العقلية التي تميل للتفسير الفاجر للفعل، وقد تقدم في المقال السابق نماذجه.
إذًا: ما هو المنهج القرآني في الحكم على الجماعات والأشخاص والأحداث؟ يجب ابتداءً أن يعلم أن مجرد الصراخ والزعيق في حمل قضايا الأمة لدى الزعيم والجماعة ليس باب الحكم الصحيح عليهم، فقد فعلها الخالد في جهنم جمال عبد الناصر، وفعلها حسن نصر الله، وفعلها صدام حسين، وفعلها كل مجرم، حيث رفعوا شعار تحرير فلسطين وسرقوا عيون الناس وأبصارهم وعقولهم، والقرآن أعلمنا بوجود من يعجبك قوله في الحياة الدنيا وهو ألد الخصام، فهذا لا يحسن للحكم في ذلك.