الصفحة 235 من 457

كيف يمكن أن تحكم على فعل رجل يقوم الليل ويصوم النهار ويقتل الكفار، ويقرأ القرآن طويلًا من خلال هذه الظواهر؟ لابد من العودة لقيمه التي تحكمه إيمانًا وعلمًا بما هو عليه من هذا الأمر، سنة أو ضلالًا.

إن حركة الوجود محكومة بقيم المرء والجماعة والأحداث، وهذه هي طريقة القرآن، لا سواها، وهي أس ما يبنى عليه لا غير. هذا الأساس العلمي ككل أساس علمي في الوجود ليس مطلقًا، وعدم إطلاقه لا يعني تجاوزه، ذلك لأن المطلقات لا وجود لها في عالم الخلق، ولكن العقل الذري الذي حكم أهل الإسلام هو ما أفسد عليهم هذا الفهم، فهم حيث علموا قاعدة من قواعد الوجود ظنوها مطلقة، فإن لحقها تخصيص أو تنبيه جعلوها فاسدة، وهذا أشبه بطريقة ابن حزم مع علم العلل وهي من ميراث العقل الأرسطي المنطقي الفاسد، والشرع يجعل القاعدة ثم ينبه على خصوصية مقامات، لا تنفي القاعدة ولكن تمنع إطلاقها، ومن قرأ كتب الأشباه والنظائر علم هذا فقهًا، كما أن العاقل يرى هذا وجودًا، فاستقرار الأرض لا يمنع وجود الزلزال والبركان.

والقصد أن مناط الحكم أولًا هو القيم والأفكار ابتداءً، ولا يجوز تجاوز ذلك إلى مظاهر أخرى لها أهميتها لكنها ليست عللًا للحكم إنما هي أمارات كما يقول الأصوليون، بل هي قد لا تزيد عن كون الواحدة منها مئنة في واقعها.

سيبقى القول في عصر الانحطاط: هذا سلفي، وهذا خلفي. كما مضى زمان: هذا وطني وهذا غير وطني، واليوم هناك من يجمع بينهما بقوله: هذا ثورجي أو مقاتل، وربما يقول البعض: هذا مجاهد وهذا قاعد، إعمالًا لألفاظ في غير محلها ككلمة الشهادة التي تطلق بحق وبباطل، وإن لم تعد قيم القرآن الإيمانية هي الحاكمة فسيبقى الشيطان يتلعب بالناس ما وجدت الفتن والأحداث والجماعات.

إضاءة: كتب أحدهم: كيف تنصر هذا الرجل وهو يراك خارجيًا؟!، فكتبت له: والله لو رآني كافرًا لنصرته. قالوا ليحيى بن معين: تغير عبد الرزاق فكيف تسمع منه، فقال: والله لو كفر لسمعت منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت