فهرس الكتاب
عالم إلا ولقي الإهانة والعذاب من الناس أو من السلاطين، وبعضهم مات غريبًا طريدًا لا يؤبه له، كحال البخاري لما طرد من بلده، وحال النسائي لما قام عليه أهل دمشق فضربوه على خصيتيه فكان هذا سبب موته، وكما فعل الحنابلة بالطبري حيث طينوا عليه باب بيته ومنعوه من الخروج، وكذا صنعوا مع الخطيب البغدادي، والكثير الكثير، فهذه سنة. لكن العلماء عندما يغيبون عن المشهد تعظمهم النفوس، ولو شهدتهم هذه النفوس نفسها لاختلفت عليهم؛ وهذا إمام المالكية في عصره، وهو القاضي عبد الوهاب، والذي كان يعظمه ابن حزم مع ما علم من أمره مع فقهاء المالكية خصوصًا لقربهم بخصومته، هذا العالم الجليل نشأ ببغداد، ويعدونه إمام المالكية في المشرق، أراد أن يخرج من بغداد فخرجوا يشيعونه، فقالوا له: يعز علينا فراقك. فقال لهم متعجبًا: يعز عليكم فراقي!! والله لو وجدت كل يوم رغيفين في بلدكم ما خرجت!! يعيب عليهم بخلهم معه وعدم رعاية شأنه وهو محتاج. فهكذا الدنيا، ولربما تجد الرجل يطلب رؤية أحدهم كما يطلب شيئًا عظيمًا يشتريه، حتى إذا ملكه زهد فيه، فلا تظنن أنه لو وجد ابن تيمية اليوم بيننا أنه قادر على صنع شيء آخر غير ما نحن فيه، إذ كان في زمانه شيوخ يشربون الحشيشة، وشيوخ يكذبون على الله ولهم أتباع ورجال، وعامة تنصرهم وتصفق لهم، بل اليوم وقد أفضى الرجل الى ربه تجد هناك من يكفره أو يضلله، بل تجد من يكتب عنه أنه طالب سمعة وشهرة، وقد رأيت لاثنين من هذا النوع، يزعمان أنه كان هو من يكتب الرسائل لنفسه ليجيب عليها من نفسه إظهارًا لشأنه ومدحًا لعلمه!! فهذا رجل ميت ينازعانه في نيته ولا يقرؤون إلا كتبه، فهب لو أنه كان بيننا ماذا سيقول هؤلاء النوكى عنه؟!.
ودعوى اتفاق الناس على فتواه في قتال التتار، فيجيب عنها ابن كثير في البداية والنهاية، وكيف افترق الناس فيهم -أي التتار- وكيف خالفوا ابن تيمية، فهناك الجواب لك.