فهرس الكتاب
وهذه الآية مما احتج بها ابن المعتز على المجاز، وهي مما يستشهد بها على أنواع الاستعارة الكثيرة غير المكنية والتصريحية، ويمثل بها؛ وقد رأيت رد من نفى أنها صالحة لهذا. ومثلها قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، فإنها على نفس النوع والمهيع.
وأما هل هناك مجاز أم لا؟ فالجواب: لاشك بوجود أنواعه بحسب تقسيمات البلاغيين، ولكن أنصحك بقراءة كتاب الشنقيطي في عدم جواز التعبد بالمجاز، وهو رجل هذا الفن، وإذا أردت أن تعرف مقدار علمه فيه فعليك برحلته إلى الحج، وهي مطبوعة، وذلك من ص 191 إلى ص 266، تعرف أن ما صار إليه في المسألة قوي. وتويتر لا يتسع لأكثر من هذا، ولكن في ذلك إشارات كافية.
هذا ومن قرأ كلام أهل التفسير ممن تكلم عن بلاغة الآية، كالقرطبي والزمخشري والبيضاوي وابن عاشور والألوسي، كلهم تواطؤوا على أنها من نوع المجاز وأنها استعارة، وفي كلامهم في غير هذه المسألة نور وجمال وروعة فانظره.
لا شك بوجود بعض أنواع له؛ وكلام شيخ الإسلام في كتابه الإيمان الكبير عن المجاز بحسب ما أعلم ذهب لجهتين: أن الحقيقة، وهي قسيم المجاز، هي ما دل عليه اللفظ مع سياقه، وهو ما يتبادر إلى الذهن ابتداء، وأن هذه هي الحقيقة، فلا ضرورة لجعله مجازًا، أي جزنا به من الحقيقة اللغوية إلى الحقيقة المعنوية، وذلك عند استعمال الأسماء الدالة على معنى واحد ابتداء في أصل الوضع اللغوي، ككلمة الأسد. وتابع معها مسائل متعددة منها موضوع أصل المجاز. والجهة الثانية: هي من نوع ما تقدم من الكلام على (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) ، وأن أصل الوضع ليس ما انتشر في استخدامها لوضع واحد، وإنما هي لغيرها.
وشيخ الإسلام بهذا الأمر يعني أنه ينفي المجاز كليًا في اللغة والقرآن، وهو قول قد سبق إليه، ومعروف عند مناقشة البلاغيين عند هذا الباب. ولكن من قرأ أنواع المجاز عند البلاغيين لم يشك أن له وجود في بعض أنواعه، وهو باب لم يقصده ابن تيمية في كلامه، ولذلك نشأ القول بوجود مجاز في اللغة، وليس له وجود في القرآن، وهو قول يحتاج لضبط وتفصيل، وفي ذلك كفاية وجزاكم الله خيرًا.