فهرس الكتاب
لاختارت الإسلام، فنحن إذًا نحتكم للإسلام وهو دين أمتنا. فعاد الأمر إلى احتكامهم للشريعة؛ هذا تصورهم للمسألة، أما كون هذا التصور موافقًا لحقيقة البرلمان أم لا، فهذه مسألة أخرى، فإن وافقت كان قولهم الصواب، وإن خالفت أخطؤوا.
والذي أعلمه أن تصورهم للمسألة خطأ، وأن البرلمان في حقيقته كفر وشرك، ولذلك يدخلون في المتأولين، ممن أتى أمرًا هو في تصوره على معنى مع أن حقيقته مختلفة، وامتنع التكفير لأن أصله هو الإسلام، فبه ثبت حكمه، وامتنع تكفير عينه لعدم وجود الناقض في حق إرادته وهي مناط الحكم؛ وهاهنا جهله ليس في عدم علمه بما أوجب الله عليه من الاحتكام للشريعة، ولكن جهله لواقعة ما: هل هي داخلة في الكفر أم لا؟. وعدم التفريق بينهما هو غلط من كفرهم لجهلهم بالتوحيد، ورتب عليها بعد ذلك تكفير عاذرهم؛ وهم لم يجهلوا التوحيد هنا، ولكن جهلوا دخول غيره من الوقائع في نقضها للتوحيد مما جد من صور الأعمال والحوادث.
ولهذا قلت لحضرتك: دعك من فعلهم في دخول البرلمان وعد لي لأصل دينهم في وجوب التزام الشريعة، فإن جعلوا (أي قالوا) أن الشريعة غير ملزمة وجاز الخروج عليها (هكذا) كفروا بلا خلاف عند أحد من المسلمين. أما تخريج قولهم في وجوب الالتزام بالقانون، فهم يقولون (وأنا هنا أتحدث عن إعذارهم لا تصويبهم) بأن القانون في أصله يوجب الاحتكام للشريعة؛ ولذلك يلتزمون بهذا القدر منه، لا غير. فهذا تأويلهم، وهو في نفس الأمر (مكررًا) غلط وجهل. ولكن هذا القول ليس بأبعد ممن قال بخلق القرآن، لأن القائل بخلق القرآن خالف مراد الشارع في نفس النص، وهذا خالف في فهم الوقائع النازلة، مع فهمه الصحيح لما عليه الشرع، فكان أعذر له، أما أن يصل الحديث عن التدرج، فهذه سيدي مسألة فقهية بحتة، لا يعود أحد من المختلفين فيها إلى نقض أصل الشرع والتوحيد، بل الكل مقر بوجوب التزام الشريعة، ولكن يختلفون في إعمال قسم (الحكم الوضعي) وإدخال عوامل فيه أم لا،