لأنهم في نفوسهم أهل ذكاء وخبرة، والعلماء محنطون متكلسون لا يعرفون دهاليز السياسة، ولا فن الممكن، ولا تقدير المصالح، وهذا وإن لم يقولوه بألسنتهم لكنه ظاهر بفعالهم، فهو كامن في النفوس.
آن لطلبة العلم من المهاجرين والمجاهدين أن يفرضوا إيقاعهم، ويضبطوا الكل بهم، ولا يكون هذا إلا باستقلالهم أولًا، وإن كان لابد من رباط فليس تبعية الشيخ لهم، وبيعته لقادة التنظيمات، لكن بوسيلة من وسائل القرب من طرق الحياة وهي كثيرة، فليخرج العلماء ليكونوا مؤسسة بأنفسهم، يقودون القضاء والفتوى، وضبط الاختيارات العلمية للجهاد، فإن ما أسقط واقع مفهوم الأمة انصهار العلماء في الدول والتنظيمات، فلما سقطت التنظيمات والدول سقطت الأمة، لأنها بعلمائها، فليعودوا إلى مؤسسة العلم والزهد والتقوى يعد لهم سلطانهم وقوتهم.
كلماتي هذه هدية للكثيرين من المشايخ الذين أحبهم، وهم عندي خير الناس بعلمهم وجهادهم، وأنا أمسك يدي أن أكتب أسماءهم، لكن للقلوب معانيها. تحية لكم.
17 > من قواعد العلم لتحصيل الإعذار للمخالف المسلم أن تفهمه علمًا ونفسًا على الوجه التام لما هو عليه، لا أن تحاسبه على وجه وضوح المسألة عندك، ومن سنن الأقدار أن الكثيرين من الرادّين على المخالف كانوا في نفس المكان الذي عابوا عليه الخصم، والله يقول: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) وقد اعترف ابن تيمية في بعض رسائله أنه كان على غير الجادة اتباعًا لآبائه في المذهب والاختيار، ومثل هذا إن كان تقيًا منصفًا أعذر المخالف، وقد قالوا: من قلّ علمه كثر اعتراضه.
والملاحظ أن غير العاذرين للمخالف إما أنهم عاشوا في بيئة لا تعرف إلا وجهًا من العلم فهو لا يتصور غيرها، وإما أنه جاهل لا يقدر تصور الخلاف؛ وعامة أهل الغلو من هذا الصنف، كان جاهليًا ثم تاب على وجه من التدين مع اختلاط الغرور أنه اهتدى للحق وصار لشيخ يضيق عقله عن العلم والخلاف، فلا يعذر، فمع الغرور والجهل من الشيخ صار هذا الشاب ضالًا بسب المسلمين، والعالم وإن خالف فإنه يعذر والجاهل إن خولف سبَّ، فإن صار للسلاح قتل، وما يجده الجاهل من شدة