العالم في رده على المخالف أحيانًا، وهذا له أسبابه، يظن أن من حقه فعل ذلك. فتصور شابًا جاهلًا يقلد ابن تيمية في رده على المخالف من الأشعرية والصوفية أين ينتهي به الكلام والموقف، وتأمل كيف يضبط العالم موقفه إن امتحن.
نصيحة لكل طالب علم: دائمًا ضع نفسك في موضع المخالف لما تقول، علمًا ونفسًا، ستجد نفسك منصفًا في إعذار المخالف، وهذا هو جوهر معنى التأويل، هذا التأويل التي به يتم صرف التكفير والتضليل عن المخالف من أهل العلم. من لم يعش عيشك، ولم يستوعب قولك فاهرب منه لأنه سبب الفرقة والانحراف؛ وحين ترى منتسبًا للعلم لا يعذر في الحكم على المخالف فاعلم أنه متبع لهواه، أو متبع لجهلةٍ حوله يقودونه ولا يقودهم، وهم كثر في هذا الزمان.
تبقى شدة العبارة على المخالف؛ فهذا حقل من العلم لا يضبط على وجه واحد، وعامة أهل العلم يفعلونه لأمور: لعدم تصورهم حالة الجهل في المخالف فيغضب أن لا يفهم العالم هذا الوجه لوضوحه عنده، أو لما يظن أن صاحبه اتبع هواه ولم يقر بالحق أنفة من الاعتراف به، أو لزجر المخالف عن الشر.
فشدة العبارة شيء، والحكم وإعذار المخالف شيء آخر؛ الأولى حالة نفس وتقدير، والثانية حالة علم وخبرة وتقوى. ولذلك تجد في تاريخنا من جمع بينهما، وهم أغلب أهل العلم، ممن تكلم في الفقه ومسائل الأصول، ومقالات العقائد، فتعجب الإعذار في الأحكام مع شدة العبارة في الرد والمناظرة، والنتيجة: يأخذ الناس علمهم فيهتدون وهم يجنون من المخالفين العذاب والسجن والتقريع. مات ابن حزم في البادية وحيدًا ومات ابن تيمية مسجونًا.
18 > من المهم من قواعد الأحكام على النّاس: معرفة جملة أحوالهم؛ فهذه المعرفة هي التي تقوي لديك الحكم، فأنت ستجبن علمًا أن تحكم عمن علمت تقواه بالكفر، فكم رأيت أناسًا يشتدون في الحكم فإذا قيل له: هل يعني أن فلانًا كافر، لشيء فعله، فتجده يتوقف، وهذا من الدين، وأما الذي لا يعرفه فيهجم، ومثله ضعيف التقوى، ومن لا يقيم شأنًا للطاعات، فلو قلت له فلانًا فعلها، فلا يتوقف بل