فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والأرض، لما يحصل من شدة الكفر وعظيم الجرائم من بعض العباد كما قالت النصارى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) } [مريم: 88 - 91] .
السموات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد من الكفر والفسوق والعصيان، فيمسكهما الله بحلمه ومغفرته، فحلمه ومغفرته يمنعان زوال السموات والأرض، وبحلمه سبحانه صبر عن معاجلة أعدائه بالعقوبة كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) } [فاطر: 41] .
إن الله حليم غفور، ولو شاء لعاجل العصاة والكفار بالعقوبة، ولأمر السماء فحصبتهم، وأذن للأرض فابتلعتهم، ولكنه سبحانه حليم يمسك بقدرته وحلمه وصبره تفطير السموات، وانشقاق الأرض، وزوال الجبال، ويحبسها عن ذلك بحلمه، فإن ما يأتي به الكفار والمشركون والفجار والعصاة في مقابلة عظمة الله وجلاله، وإكرامه وإحسانه يقتضي ذلك.
ولكن الله جعل في مقابلة هذه الأسباب أسبابًا يحبها ويرضاها، ويفرح بها أتم فرح وأكمله من الإيمان والتقوى، والتوبة والاستغفار، تقابل تلك الأسباب التي هي سبب زوال العالم وخرابه.
فدافعت تلك الأسباب وقاومتها، وكان هذا من آثار مدافعة رحمته لغضبه، وغلبتها له، ورحمته سبحانه سبقت غضبه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» متفق عليه [1] .
وهو سبحانه الذي خلق كل شيء، وبيده كل شيء، وهو الذي حرك الأنفس والأبدان، وأعطاها قوى التأثير، وهو الذي أوجدها وأعدها، وأمرها وسلطها على من شاء، وهو الذي يمسكها إذا شاء، ويحول بينها وبين قواها إذا شاء.
وهو سبحانه الحليم الذي خلق ما يصبر عليه، وما يرضى به، فإذا أغضبته معاصي الخلق وكفرهم، وشركهم وظلمهم، أرضاه تسبيح ملائكته الذين يملؤون السموات،
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7404) ، ومسلم برقم (2751) ، واللفظ له.