فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 3166

وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) [الروم: 19] .

إنها عملية دائبة لا تكف ولا تني لحظة واحدة من لحظات الليل والنهار في كل مكان في هذا الكون، على سطح الأرض، وفي أجواء الفضاء، وفي أعماق البحار.

ففي كل لحظة يتم هذا التحول، وفي كل لحظة يخرج الله حيًا من ميت، وميتًا من حي.

وفي كل لحظة يخرج الله برعمًا ساكنًا من جوف حبة أو نواة، يفلقها ويخرج إلى ميدان الحياة مع الأحياء.

وفي كل لحظة يجف عود أو شجرة، تستوفي أجلها فتتحول إلى هشيم أو حطام، وفي هذا الهشيم والحطام ترقد الحبوب الساكنة المتهيئة للحياة والإنبات مستقبلًا.

وفي كل لحظة تدب الحياة بأمر الله في جنين إنسان أو حيوان أو طائر، وفي كل لحظة تخرج أجيال بقدرة الله في مشارق الأرض ومغاربها، وتموت أجيال كذلك .. فسبحان الحي الذي يملك الموت والحياة .. فيحيي ويميت من شاء من خلقه .. أمم وخلائق تستقبل الحياة .. وأمثالها تودع الحياة.

والله على كل شيء قدير أخرج من التراب الساكن الميت، الإنسان الحي المتحرك كما قال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) } [الروم: 20] .

وهو سبحانه الذي خلق البشرية من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وخلق كلًا منهما على نحو يجعله موافقًا للآخر، وأودع نفوسهم العواطف والمشاعر، وجعل في تلك الصلة سكنًا للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، وطمأنينة للرجل والمرأة على السواء: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الروم: 21] .

وهو سبحانه القدير الذي خلق السموات والأرض، هذا الخلق الهائل العظيم الدقيق، وخلق هذه المخلوقات العظيمة في جو السماء من الأفلاك، والمدارات، والنجوم، والكواكب، والمجرات، مع الضخامة الهائلة، والتناسق العجيب فيما بينها، وخلق ما بينها من المسافات والأبعاد التي تحفظها من التصادم والخلل، هذا من ناحية أحجامها وسيرها.

وأما أسرار هذه الخلائق الهائلة، وعجائبها وطبائعها، وما يستكن فيها، وما يظهر عليها، فهذا كله أعظم من أن يلم به الإنسان، وحتى الآن لم يعرف عنه البشر إلا القليل: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) [نوح: 15، 16] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت