فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
[الأنفال 24] .
ويقيمون إبليس حجة لهم على هذه المعرفة، وأنه كان عابدًا في السماء، لكن جنى عليه جاني القدر، وأنه ينبغي أن تخاف الله كما تخاف الأسد الذي يثب عليك بغير جرم منك.
ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» . متفق عليه [1] .
وبنوا هذا وأفعاله على أصلهم الباطل، وهو إنكار الحكمة والتعليل والأسباب، وأن الله لا يفعل لحكمة ولا بسبب، وإنما يفعل بمشيئة مجردة من الحكمة والتعليل والسبب، وأنه يجوز عليه أن يعذب أهل طاعته أشد العذاب، وينعم على أعدائه وأهل معصيته بجزيل الثواب، وأن الأمرين بالنسبة إليه سواء.
ألا ما أخطر الجهل على صاحبه وعلى من اقتدى به؟ فأي جهل يصد عن الله وعن دينه فوق هذا؟
فإذا رجع العاقل إلى نفسه، وفهم منهم هذا قال: من لا يستقر له أمر، ولا يؤمن له مكر، كيف يوثق بالتقرب إليه، وكيف يعول على طاعته واتباع أمره؟.
وقال: ليس لنا إلا هذه المدة اليسيرة، فإن هجرنا اللذات، وتركنا الشهوات، وتكلفنا أثقال العبادات، وكنا مع ذلك على غير ثقة منه أن يقلب علينا الإيمان كفرًا، والتوحيد شركًا، والطاعة معصية، والبر فجورًا، ويديم علينا العقوبات كنا خاسرين في الدنيا والآخرة.
فإذا استحكم هذا الاعتقاد في قلوبهم، وتخمر في نفوسهم، صاروا إذا أمروا بالطاعات وهجر اللذات، بمنزلة من يقول لولده: معلمك إن أحسنت وأطعته ربما عاقبك، وإن أسأت وعصيته ربما أكرمك. فيودع في قلبه ما لا يثق بعده إلى وعيد المعلم على الإساءة، ولا على وعده على الإحسان.
وإن كبر الصبي وصلح للمناصب قال له: هذا سلطان بلدنا يأخذ اللص من الحبس، فيجعله وزيرًا أو أميرًا، ويأخذ المحسن المتقي، فيخلده في الحبس أو يقتله.
فإذا قال له ذلك أوحشه من سلطانه، وجعله على غير ثقة من وعده ووعيده، وأزال
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3208) ، ومسلم برقم (2643) ، واللفظ له.