فهرس الكتاب
الفصل الثانى
تنزيل الأحاديث على الوقائع
من الأخطاء الفادحة التى إرتكبها هواة الإثارة لترويج بضاعتهم المغشوشة بين الناس، تنزيل النصوص على حوادث بعينها أو أشخاص معروفين من المعاصرين، لكى يضمنوا جذب الناس لشراء كتبهم ولو بالتلفيق ولى أعناق النصوص لتنطبق على ما يريدون ومن يريدون .. وسوف نورد هنا مثالًا صارخًا لذلك - لأن المقام لن يتسع لإيراد كل النصوص والرد على ما أثير بشأنه وإلا احتجنا إلى مجلدات - وهذا المثال هو:
حديث أبى هريرة - رضى الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم"، شهد على ذلك لحم أبى هريرة - رضى الله عنه - ودمه، وقد قرأ البعض في شرح هذا الحديث أن بلاد العراق سوف تحتل وقد احتلت بالفعل ولهذا يصاب الناس بالحزن الشديد والإحباط عند قراءة مثل هذا الحديث، حيث يستنتج أن كلًا من مصر والشام سوف تحتل أيضًا .. فما مدى صحة ذلك؟
يجيب الدكتور فهد بن عبد الرحمن اليحيي عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قائلًا:
أولًا: أن تنزيل أمثال هذه الأحاديث؛ وهى الأحاديث الواردة في الفتن وأشراط الساعة تنزيلها على حوادث بعينها أو أشخاص بأعيانهم فيه خطورة، حيث لا يمكن الجزم بذلك.
ثانيًا: إن الانشغال بهذا التنزيل لا حاجة إليه، ولا فائدة منه، بل ربما جر إلى التعجل في أمور قد كان للمسلم فيها أناة. وقد تأملت أمثال هذه الأحاديث فلم أجد فيها طلب التحري والبحث عنها، بل الظاهر أنها إذا وقعت تبينت، وعرف حينها من كان على علم بما ورد فيها أن تلك هى التى حدث عنها النبى - صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي الاشتغال بمثل هذا التنزيل، فلربما شغل عما هو أهم.
ثالثًا: ما يبين خطأ التنزيل المشار إليه وخطورته أن من يقم حديث أبى هريرة - رضى الله عنه - الذى في مسلم (2896) على الواقع المعين وهو حالة العراق، ويستنتج شيئًا آخر هو احتلال الشام يحزن حزنًا شديدًا، بلا حاجة إلى ذلك، إذ الجزم بهذا لا يستند إلى منهج صحيح دال عليه.
رابعًا: أن تنزيل مثل هذه الأحاديث إن ادعى أحد تحققه في هذا الزمن فقد وجد في الأزمان المتقدمة ما يشبه ذلك، وربما وجد من الناس من ظن تحقيق الحديث فيها ثم تبين بعد خلاف ذلك. وربما أتى أيضًا في أزمان لاحقة ما يظن تحقق الحديث فيه إلى أن يتحقق تمامًا، وانظر في شرح الحديث، فقد قال النووي (مسلم بشرح النووي 18/ 20) : وهذا قد وجد في زماننا في العراق وهو الآن موجود (والنووي قد توفى عام