الصفحة 31 من 73

سابعًا: وأخيرا يخلص الأستاذ وهو ينصح أبناء المسلمين إلى وجوب العزلة ولزوم البيوت وإعداد الطعام انتظارا لقدوم الفتن والأزمات ومجئ المهدى المنتظر، وأظن أن هذا الكلام لو بلغ مسامع عامة المسلمين وفهموه لأحدثوا أزمة اقتصادية خانقة ولحدث من الاضطراب والفوضى ما لم يعلم آثاره إلا الله تعالىّ!

وإن المؤلف يكرس بهذا الكلام - للأسف الشديد - عقلية التواكل والسلبية التى نعانى منها أصلًا، فما على أبناء المسلمين في رأى حضرة الأستاذ إلا أن يمارسوا العزلة في البيوت والجبال، ويفسحوا المجال لأهل الفساد ليعيثوا في الأرض فسادا، حتى إذا جاء المهدى لم يجد أحدا! ونحن نقول للمسلمين جميعًا: بل الواجب في مثل هذه الأحوال هو الاتصال بالعلماء وسؤالهم ومرافقتهم فإنهم صمام الأمان بإذن الله تعالى عند كل فتنة، والواجب أيضًا هو الانطلاق في رحاب المجتمع لنشر الخير والفضيلة وتعليم الناس وإرشادهم فإن هذا هو الواجب المتعين، وهو الذى كلفنا به شرعا، فمن مات في هذا السبيل فقد وقع أجره على الله تعالى، ومن عاش حتى يدرك المهدى كان من أنصاره وأعوانه. أما العزلة التى يدعو إليها الأستاذ فهى سبب من أسباب الشر وحظ من حظوظ النفس وعذر أقبح من ذنب ووسيلة الشيطان للاستحواذ على قلب المؤمن. ولم يعهد في علمائنا السابقين على مر العصور وكر الدهور أن مارسوا هذا النوع من العزلة التى يدعو إليها حضرة الأستاذ، وهذه مآثرهم وأمجادهم وسجلهم الحافل وتراثهم الماثل يشهد بذلك، فلم يزالوا مختلطين بالناس فيحصلون منافع الاختلاط من حضور الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المرضى وتعليم الناس وإرشادهم وبذل النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، وغير ذلك من المصالح التى يكون بعضها من فروض الكفاية، وكثير منها من فروض الأعيان.

إن العزلة الحقيقية إنما تكون عن الشر وأسبابه ودواعيه وما يؤدى إليه ويوقع فيه، وهى عزلة شرعية تقيدها الضوابط الشرعية وتفرضها المصالح المرعية: عندما لا يجد المسلم فرصة لقول كلمة أو تعليم جملة أو نشر خير أو دفع شر، وليس زماننا بهذا السوء الذى يريد الأستاذ أن يصوره لنا، فما زال الخير يتدفق في جوانب المجتمع وما زال أهل الخير حكاما ومحكومين يسهرون على نشر الخير ورعاية الفضيلة، وما زال المجتمع يحب ذلك ويقبله، رغم كل الظواهر السلبية التى نراها ونعيشها.

والمقصود هنا أن يحذر المسلم من إسقاط أحاديث الفتن والملاحم على واقعة إسقاطا يمنعه من العمل ويدفعه إلى العزلة المذمومة، بل الواجب عليه أن يستقبل كل حوادث دهره ونوازل عصره باعتبارها جزءا من قضاء الله وقدره فيغالبها بقضاء الله وقدره، تماما كما يفعل في مواجهة الأمراض والمحن والابتلاءات التى يقدرها الله على عباده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت