الصفحة 70 من 73

ثم إن هذا الرأي الجرئ الذى حدد زمن قيام الساعة، يخالف صريح ما نطق به القرآن الكريم من كيفية قيام الساعة. فقد أثبت القرآن أن الساعة لا تأتى إلا بغتة، كما في آية الأعراف: (ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة) الآية: 187.

والقول بأن هذا بالنسبة للكفار، وليس للمؤمنين، غير صحيح، فالخطاب للجميع، وليس هناك دليل على اختصاص هذا الخطاب بالكفار.

على أن الساعة إذا علمت وعرف وقتها بالتحديد عند المؤمنين، فإن هذه المعرفة ستنتقل حتمًا إلى الكفار، ولو على سبيل الظن والشك، وهنا تزول المباغتة والمفاجأة التى تحدث عنها القرآن.

دعوى صاحب هذا الرأي أنه علم من القرآن ما لم يعلمه رسول الله:

وأمر آخر: إن صاحب هذا الرأى يزعم لنفسه أنه علم من القرآن ما لم يعلمه من أنزله الله عليه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - المبلغ عن الله، لم يكن يعلم عن موعد الساعة شيئًا، وجبريل أمين الوحى الذى نزل عليه بالقرآن لم يكن يعلم عن موعدها شيئًا، وهذا ثابت بنص الحديث المشهور المتفق على صحته، المعروف لدى الخاص والعام من المسلمين، وهو الذى يروى قصة مجئ جبريل في صورة رجل يسأل النبى - صلى الله عليه وسلم - عن أصول ومفاهيم أساسية، تعلم الناس دينهم، ومنها سؤال عن الساعة متى هى؟

فكان الجواب الواضح الصريح من الرسول البشرى إلى الرسول الملكى:"ما المسئول عنها بأعلم من السائل"وجاء في هذا الحديث الصحيح في رواية مسلم:"فى خمس لا يعلمهن إلا الله"، ثم تلا الآية الأخيرة من سورة لقمان: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام. .) الآية (34) .

وإنما شددنا الإنكار على مثل هذا القول لما فيه من جرأة على كتاب الله، وفتح الباب للمتلاعبين به، المحرفين للكلم عن مواضعه، فيصبح كتاب الله ملعبة لهواة الإغراب، وتصبح آياته الهادية الخالدة كأنها كرة يتقاذفها اللاعبون! ورحم الله أبا بكر الذى كان يقول: أي سماء تظلنى، وأي أرض تقلنى إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟.

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت