فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 481

الأموال والمعاشرة، ولم أترك ذلك في قلبى ولست راغبا أن تكون لى صديقا قط، وسأظل محبوسا في الدنيا حتى يعلم الخلائق عدلى وليطلبوا منى ما يلزمهم من أجل صلاح المعاش، وفلاح المعاد والتعفف عن الفساد، ولأهديهم فلا يظنون ويتخيلون أننى مشغول بطلب الدنيا بالمخادعة والمخاتلة، ولا يتوهمون ذلك حيلة منى طويلة، إننى اعتزلت شهوات الدنيا وسكنت فيها إلى مكارمها وكان ذلك لغرض أننى إذا ما دعوت شخصا للرشد والحسنات والخير يستجيب لى، فلا يرد نصيحتى بعصيان، ومثلما كان والدك السعيد بعد تسعين عاما من العمر والملك ب"طبرستان"يتقبل كلامى بسمع القبول والإصغاء، ولم يكن يتوهم فيه خللا قط، وهدفى من ذلك أن أوضح لك أن نهجى وسيرتى ليست من رأيى ولا من صنعى فكيف تواتينى الجرأة بحيث أحرم في الدين أمرا حلالا من نساء وشراب ولهو، فكل من يحرم الحلال يكون شأنه كمن يحلل الحرام، لكن هذه السنة والسيرة قد تلقيتها عن رجال كانوا أئمة الدين وأصحاب الرأى والكشف واليقين، مثل فلان وفلان تلاميذ الشيوخ والحكماء المتقدمين على عهد"دارا"، فقد رأوا هؤلاء المفاسد واستمعوا من السفهاء والسفلة إلى المحاورات والمشافهات، وشاهدوا الإعراض وعدم الاكتراث من الجهال في حق العلماء، وراج الظن والتفريق وهجرة السيرة الإنسانية، وانبعثت الطبيعة الحيوانية، وخشيت أن يلحقهم عار الجهل بحال الناس وعدم العناية به، حطموا القلب على الصخر وفروا من مكر الثعالب واستراحوا إلى نهج النمور وهجروا الدنيا كلية ورفضوا شهواتها التى لها تبعات كثيرة، واستقبلوا مجاهدة النفس والصبر والتجلد على مقاسات تجرع كؤوس الحرمان، وفضلوا هلاك النفس في سبيل سلامة الروح.

ففى التوراة مسطور (هجران الجاهل قربة إلى الله عز وجل)

خص بإحسانك شخصين، ولا يوجد في الدنيا إنسان أتعس ولا أذل منهما:

ـ أولاهما المدرك تماما بعقله الذى يبقى في الدنيا ذليلا بين أكف الحمقى.

ـ وثانيهما الملك الذى سقط لسوء حظه عن التاج والعرش في البؤس والفقر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت