أهل طاعته (1) ، فسلّوا السّيوف واستسهلوا الحتوف، وأبصر الذين شقوا موقف الوالي فشقّوا إليه الصفوف، وأفرج المسلمون لهم حتى توسطوهم، ثم ضربوهم بالسيوف حتى فرشوهم على الأرض وبسطوهم (2) . وحمل جماعة من الرعية على ما يليهم من الصف فقرعوا نبعه، وفرعوا هضبه، وخسفوا وثيق البنيان، وكشفوا فريق الصّلبان.
وبينا بحر الحرب يعبّ، وريح النصر تكاد تهبّ، جاء الوالي أحد قومه وقال إن الرّوم قد احتدم ثأرهم، وزخر تيّارهم، وقد حدّقوا زرق الأسل، وحلفوا لأخذ هذا الجبل، وإن ملكوه سفلنا بصعودهم، وصرنا نقدا لأسودهم، فتوقّهم بتوقّله (3) ، وخذ أعلاه وتخلّ عن أسفله (4) . فراطن قومه أن يستتروا بجنّته (5) ، ويتقوا وقع القنا بقنّته (6) ، فأجفلوا إليه كالظلمان (7) ، وأرادوا الاعتصام به من ذلك الطوفان (8) ، فانتقضت تلك العزيمة، وحسب الناس أنها الهزيمة، فولّوا الدّبر، وعظم الخطب وكبر، وكلّ من صعد الجبل لم يمكث
(1) كناية عن أخذ العزيمة من أهل طاعته الذين لهم الثقة والإخلاص.
(2) كناية عن انتصار الميورقيين على الكفار وقتل الكثير منهم.
(3) التوقل: وقل يقل وقلا ووقولا، وتوقل توقلا في الجبل أي صعّد فيه. والواقل: الصاعد بين حزونة الجبال، وكل صاعد في شيء متوقل. والتوقل هو الصعود. وفي المثل: أوقل من غفر، وهو والد الأروية أنثى الوعول. لسان العرب، ج 11، ص 733.
(4) طباق الإيجاب بين"أعلاه وأسفله".
(5) الجنّة، بالضم: ما واراك من السلاح واستترت به منه. والجنة: السترة، والجمع الجنن. يقال استجن بجنته أي استتر بسترته، وقيل: كل مستور جنين. والجنة: الدرع، وكل ما وقاك جنة.
لسان العرب، ج 13، ص 94.
(6) القنة، بالضم: الجبل الصغير، وقيل الجبل السهل المستوي المنبسط على الأرض، وقيل هو الجبل المنفرد المستطيل في السماء. وقنة كل شيء أعلاه مثل القلة. وقنة الجبل وقلته: أعلاه، والجمع القنن والقلل. لسان العرب، ج 13، ص 348.
(7) تشبيه تمثيلي حيث شبّه المؤلف قوم الوالي بالظلمان والأداة هي الكاف.
(8) استعارة مكنية فيها تشبيه لجيش النصارى بالطوفان في قوتهم وجبروتهم.