فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 32

لما رأى رؤساء الأندلس ما نزل بهم من مضايقة عدو الدين، واستطالته على ثغور المسلمين، أجمع رأيهم على إجازة يوسف بن تاشفين. فكاتبه أهل الأندلس كافة من الخاصة والعلماء يستصرخونه في تنفيس العدو عن مخنقهم، ويكونوا معه يدًا واحدة عليه. [1]

وكتب المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين يقول له: إن كنت مؤثرا للجهاد فهذا أوانه، فقد خرج الأذفونش إلى البلاد، فأسرع في العبور إليه ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك، وكان يوسف بن تاشفين على أتم أهبة فشرع في عبور عساكره، فلما أبصر ملوك الأندلس عبور أهل المغرب يطلبون الجهاد وكانوا قد وعدوا من أنفسهم بالمساعدة أعدوا أيضا للخروج فلما رأى الأذفونش اجتماع العزائم على مناجزته علم أنه عام نطاح، فاستنفر الفرنجية للخروج فخرجوا في عدد لا يحصيه إلا الله تعالى، ولم تزل الجموع تتألف وتتدارك إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلا ورجلا من الفريقين، كل أناس قد التفوا على ملكهم، فلما عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها [2] وأمر بعبور الجمال، فعبر منها ما أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا قط جملا ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت أصواتها، وكانت تذعر منها وتقلق، وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها رأي مصيب كان يحدق بها معسكره وكان يحضرها الحرب فكانت خيل الفرنج تحجم عنها [3] ، ثم أرسل يوسف بن تاشفين للأذفونش كتابا يعرض عليه فيه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب: كما هي السنة، ومن جملة ما في الكتاب:"بلغنا يا أذفونش أنك دعوت الله في الإجتماع بنا، وتمنيت أن تكون لك سفن تعبر عليها البحر إلينا، فقد عبرناه إليك، وقد جمع الله تعالى في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك! {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [4] "فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه يوسف جاش بحر غيظه، وزاد في طغيانه، وأقسم أن لا يبرح من موضعه حتى يلقاه.

(1) الاستقصا ج: 2 ص: 206

(2) فلما ركب السفينة واستقر على ظهرها رفع يديه ودعا الله تعالى وقال في دعائه:"اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيرًا وصلاحًا للمسلمين فسهل علي جواز هذا البحر؛ وإن كان غير ذلك فصعبه علي حتى لا أجوزه"فسهل الله عليه الجواز في أسرع ما يكون، وذلك في يوم الخميس عند الزوال في منتصف ربيع الأول سنة 479 هـ. (روض القرطاس ج: 2 ص: 52) .

(3) وفيات الأعيان ج:7 ص: 116

(4) سورة الرعد آية 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت