فهرس الكتاب
فاستنفر الفرنجة للخروج، ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم، ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له منهم ما لا يحصى عدده.
ثم برز بالمختار من جنوده، وترك بقية جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره منهم:"بهؤلاء أقاتل الجن والانس وملائكة السماء!" [1] ، لم يكن يعرف هذا الأحمق أن الكيف أهم من الكمّ وأن الإيمان والاعتقاد الصحيح هو المحرك الأول للإنسان، قال تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} (سورة البقرة، الآية 249) .و قال أيضا: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (} (( (( (( (( (( (( سورة آل عمران، الآية 125) .
بعد ذلك نزل الأمير يوسف بن تاشفين بموضع يعرف بالزلاقة؛ وتقدم المعتمد وأمراء الأندلس فنزلوا بجهة أخرى بينهما ربوة حاجزة ترهيبا للعدو وتخويفا له؛ وبين الفريقين وعسكر الروم نهر بطليوس حاجز يشرب منه هؤلاء وهؤلاء؛ فأقاموا ثلاثة أيام والرسل تختلف بينهم إلى أن اتفق رأيهم أن تكون الملاقاة يوم الاثنين 14 رجب سنة 479 هـ، فلما وقع الاتفاق بينهما على ذلك بعث المعتمد إلى الأمير يوسف بن تاشفين يعلمه أن يكون على أهبة واستعداد للحرب وأن العدو صاحب مكر وخديعة في الجواب؛ فلما كان الليل من يوم الخميس 10 رجب عبأ ابن عباد كتائبه وصفَّ جيوشه واستعد للقتال؛ ومن ذكائه أن جعل على عسكر العدو عيونًا يتتبعون بها حركاتهم؛ فلم يزل كذلك إلى الفجر من يوم الجمعة؛ فبينما ابن عباد في آخر ركعة من صلاة الصبح إذ أقبلت الخيل التي كانت طليعة على العدو مسرعةً إليه؛ فأخبروه أن العدو قد زحف نحو المسلمين في أمم كالجراد المنتشر؛ فأرسل في الحين بالخبر إلى أمير المسلمين؛ فوجده على أهبة للحرب، فأرسل قائده المظفر داود بن عائشة في جيش عظيم من لمتونة؛ وكان عدو الله الأذفونش قد قسم عساكره على فرقتين؛ فتوجه هو وفرقة نحو أمير المسلمين يوسف بن تاشفين؛ فوقع في الجيش الذي كان مع القائد داود بن عائشة؛ فاقتتلوا قتالا عظيمًا؛ وصبر المرابطون صبرًا جميلًا؛ وداسهم اللعين بكثرة جنوده حتى كاد يستأصلهم؛ وصارت الفرقة الثانية من عسكر اللعين مع
(1) أنظر الاستقصا ج: 2 ص: 212 - 213 بتصرف.