فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 49

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإنَّ للمكلّف إزاءَ النصوص الشرعية حالين: حال السَّعة والاختيار، وحال الضّيق والاضطرار.

ففي الحال الأولى عليه أن يتَّبع ما دلَّت عليه النصوص من أمر ونهي؛ لأنّ الله تعالى، بنصّهِ على المطلوب فعلًا وتركًا، كفاه مَؤونة الموازنة بين مصالح الأفعال والأقوال ومفاسدهما. فما أمر به النّص: إمّا مصلحة محضة وإمّا مصلحة غالبة، وما نهى عنه كذلك: إمّا مفسدة محضة وإمّا مفسدة غالبة. كما قال تعالى في شأن الخمر والميسر: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} (البقرة: 219) . وكذلك كلّ مأمورٍ به أو منهيٍّ عنه، هو لجلب مصلحة أو دفع مفسدة، وإن لم يصرِّحِ الشارع بذلك كما صرّح في الخمر والميسر، وحتى لو لم يَبدُ لنا وجه المصلحة أو المفسدة أحيانا.

وفي الحال الأخرى - حال الضِّيق والانحصار والاضطرار - وهي التي يتزاحم على العبد فيها أمران أو نهيان، أو أمرٌ ونهيٌ، في ظرفٍ واحد، فإن اتَّبع أمرًا منهما ترك الأمر الآخر لا محالة، وإن اجتنب نهيًا وقع في النّهي الآخر. وإن كان المتعارضان أمرًا ونهيًا، فامتثالُه الأمرَ مُوقعٌ له في النهي، واجتنابُه النّهيَ مُؤَدٍّ به إلى ترك الأمر. ففي مثل هذه الحال قد يرشد الشّارع، صراحةً أو دلالةً، إلى وجه الموازنة بين الأوامر والنّواهي والمصالح والمفاسد ببيان أيِّ الأوامر أولى بالتقديم عند التزاحم، وأيِّ المناهي أولى بالاجتناب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت