انبناء الخلاف فيها على هذا الأصل فإنّها، رغم ذلك، تختلف معايير الترجيح بين المتجادلين في كلّ مسألةٍ من المسائل على نحو ما مثّلنا به آنفًا من معايير.
ارتكاب أخفّ الضّررين قد يفضي إلى منع وقوع الضّرر الآخر: قطعًا أو ظنًّا أو شكًّا أو وهمًا. وهذا التفاوت في حتميّة الوقوع ودرجة احتماليته أدَّى إلى اختلاف الفقهاء في إعمال القاعدة من جهتين:
إحداهما: أنَّ بعض العلماء، خلافًا للجمهور، اشترط القطع، أو ما يقرب منه، لتسويغ ارتكاب أخفِّ الضّررين. وهو ما يبدو من كلام الغزالي، رحمه الله، في مسألة رمي الكفار فيما لو تترّسوا في قلعةٍ بمسلمين، قال: «لا يحلّ رمي الترس؛ إذ لا ضرورة، فبِنا غُنْيةٌ عن القلعة، فنعدل عنها؛ إذ لم نقطع بظفرنا بها؛ لأنّها ليست قطعية بل ظنية» [1] . وكذا قال في مسألة أكل الإنسان من فَخذِه عند الاضطّرار: «يُمنع منه؛ لأنّه ليس فيه يقينُ الخلاص، فلا تكون المصلحة قطعية» [2] .
واشتراط القطع، أو ما يقرب منه، في اندفاع أشدّ الضّررين بأخفّهما، هو أيضًا، حاصلُ مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله، فيما يُسَدُّ من الذّرائع. فقد قال تقي الدين السّبكي، رحمه الله: «الذّريعة ثلاثة أقسام: أحدها: ما يُقطع بتوصّيله إلى الحرام؛ فهو
(1) المستصفى للغزالي: ص 176.
(2) المرجع السابق.