فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 49

ومنها: ما لو حَضَر الطّعامُ ونفسُه تتوق إليه، لكنْ يخشى إن قدَّمه على الصّلاة أن يخرج وقتُ الصّلاة، فقد قال بعض الشافعية: يأكل من الطّعام حتّى لو خرج الوقت. قال ابن حجر: «وهذا إنّما يجيء على قول من يوجب الخشوع، ثمَّ فيه نظر؛ لأنّ المفسدتين إذا تعارضتا اقتُصر على أخفِّهما، وخروجُ الوقت أشدُّ من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك» [1] . أي أنَّ الشارع أوجب على الخائف والغريق الصّلاة في وقتها، ولم يرخِّص لهما في إخراجها عن وقتها، رغم انتفاء الخشوع عادةً في تلك الأحوال، فدلَّ هذا على كون مفسدة خروج الوقت أعظمَ من مفسدة ترك الخشوع.

والكلام في معايير الترجيح وأمثلتها يطول، ولم نقصد إلى استقرائها مع أنّها حقيقةٌ بذلك من خلال النّظر في ترجيحات الفقهاء في ثنايا المسائل، وإنّما غرضُنا القول هنا: إنَّ هذه المعايير على تباينها وتنوُّعِها، حتى في آحاد المسائل، هي أعظم أسباب الخلاف في تحقيق مناط قاعدة ارتكاب أخفِّ الضّررين.

ومن المسائل التي يشتدّ فيها الجدل بين المعاصريين هذه الأيام، لا سيّما في أجواء الثورات في عددٍ من البلدان العربية، مسألة الخروج على الحاكم الكافر أو المسلم الذي عمَّ جورُه، ومسألة المظاهرات السِّلْميّة، ومسألة المشاركة السّياسية في الانتخابات البرلمانية والسّلطة التنفيذية، والتصويت على دستورٍ فيه ما لا يُرضى شرعًا، والتحالف مع القوى الملحدة والعَلمانية على أهدافٍ مشتركة. وأكثرُ هذه المسائل، إن لم تكن جميعها، يقوم على الموازنة بين أخفّ المفسدتين وأعلى المصلحتين. ومع تسليم كثيرين

(1) فتح الباري لابن حجر: (2/ 161) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت