ومن الأمثلة أيضًا اختلافُهم في جواز قتل الحيَّة والعقرب في الصَّلاة، فقد سُئل إبراهيم النَّخَعي، رحمه الله، عن ذلك فقال: «إنَّ في الصَّلاة لشغلا» [1] ، فكأنّه رأى مفسدة تضييع الخشوع في الصلاة أعظم من مفسدة تخلية العقارب والحيّات، وتابعه على ذلك أبو حنيفة، رحمه الله. ورخَّص الجمهور بذلك بسبب ما ورد من النَّص في خصوص المسألة.
وهو مجالٌ خصبٌ للخلاف بين العلماء في تحقيق مناط القاعدة في آحاد المسائل؛ لأنَّ معاييرهم في تقدير عِظَم المفاسد والمصالح وصِغَرها تختلف في كثير من الأحيان. قال العزّ بن عبد السلام، رحمه الله: «ولو وَجَدَ المضطَّرُ المحرِمُ صيدًا وميتةً وطعامَ أجنبي، فهل يتخيَّر؟ أو يتعيَّنُ أكلُ الميتة أو الصّيد أو مال الغير؟ فيه اختلاف، مأخذُه أيُّ هذه المفاسد أخفّ وأيُّها أعظم» [2] .
فمن العلماء من يشتدّ اعتباره للضّرر المادِّي الظاهر ويقلُّ اعتباره للضّرر المعنوي الباطن، وغيره يخالف في ذلك.
ومنهم من ينظر إلى تعدُّد جهات التحريم في كلا المفسدتين، فأيُّهما أَرْبَت في الجِهات أربت في التحريم.
ومنهم من ينظر إلى المفسدة هل هي مُنجبرة ببدلٍ أو لا، فيجعل ما لا ينجبر أعظمَ الضّررين.
(1) مصنف عبد الرزاق: (1/ 449) .
(2) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: (1/ 103) .