ومنهم من ينظر إلى العقوبة المقدَّرة شرعًا على المفسدتين، فأيُّهما كان أعظمَ عقوبةً كان أعظمَ مفسدة.
ومنهم من ينظر إلى مُدّة دوام المفسدة فما كان أكثرَ دوامًا كان أكثر ضررًا.
ومنهم من ينظر إلى متعلَّقِ المفسدة هل هو الدّين أو البدن أو العقل أو العِرض أو المال فيرتِّبها في العِظَم على هذا النّهج.
ومنهم من ينظر إلى كون المفسدة متعدّيةً أو قاصرةً على صاحبها فيجعل المتعدّية أعظم.
ومنهم من ينظر إلى عموم المفسدة وخصوصها فما طال عددًا أكبر من الأفراد كان أعظم.
ومنهم من ينظر إلى دليل تحريم إحدى المفسدتين هل هو النّص أو الاجتهاد، أو هل هو متّفق عليه أو مختلفٌ فيه، فيجعل ما دلَّ النص على حرمته أو ما اتُّفق على حرمته أعظمَ مفسدة. وإذا كان دليلا المفسدتين متفقًا عليهما فينظر إلى أيِّهما نصَّ الشّارع على الترخُّص منه في حال الضّرورة أو الحاجة وأيِّهما لا، فما دخل عليه الاستثناء كان أخفَّ مفسدة.
وكثيرًا ما تتعارض وتتقابل هذه المعايير، وغيرُها، في آحاد المسائل، ممّا يعقِّد المسألة محلَّ النظر ويجعلها أكثر تحييرًا وإرباكًا وأَدعى للاختلاف وتباين وُجُهات النّظر.
ومن أمثلة ذلك: اختلافهم في جواز الأكل من ميتة الآدمي عند الضّرورة، فرجَّح الشافعية الضّرر المادّي المتمثل في هلاك الحي إذا مُنع من الأكل فأجازوا له ذلك، بل أجازوا له قتل مهدور الدم، كالحربي والمرتدّ والزاني المحصن، للأكل منه عند الضرورة [1] .
(1) يُنظر: نهاية المطلب للجويني: (18/ 221) . والمهذَّب للشيرازي: ص 456.