أمّا أبو حنيفة، رحمه الله، فلم يجز ذلك كلَّه اعتبارًا لكرامة الآدمي حيًّا وميتًا، وهو ترجيحٌ منه لجانب المفسدة المعنوية. وكذا في عدم إجازته قتل الحيَّة والعقرب في الصّلاة ترجيحٌ للضّرر المعنوي على المادّي. وأعظمُ من ذلك مَنْعُه من الحَجر على السَّفيه؛ «لأنَّ الحجرَ عليه إهدارٌ لآدميته وإلحاقٌ له بالبهائم، وضررُه بذلك أعظم من ضرره بالتبذير وإضاعة المال، وهذا ممّا يعرفه ذوو العقول والنّفوس الأبيَّة، ولا يجوز تحمُّل الضّرر الأعلى لدفع الضّرر الأدنى» [1] .
ومن أمثلة ترجيحاتهم لما ثبت كونُه ضررًا أو مصلحةً بالنّص، على ما ثبت ضرره أو مصلحته بالاجتهاد أو الاندراج في العمومات البعيدة والمقاصد الكلّية، اختلافُهم في المضطَّر يجد ميتةً وطعامَ غائب، فقالوا: «الأصحُّ أنّه يأكل الميتة ويدع الطّعام؛ لأنَّ إباحة الميتة بالنّص، وطعام الغير بالاجتهاد» [2] .
ومن خشي العَنت ولا طَوْلَ له: هل ينكح الأَمَة، مع ما فيه من مفسدة رِقِّ الولد، أو يستمني إذا اندفع عَنَتُهُ بذلك؟ قال ابن رجب: «يُقدَّم نكاح الإماء ... ؛ لأنَّه مباحٌ بنصّ، والآخر متردَّدٌ فيه» [3] .
وجانبٌ من خلاف المعاصرين في مسألة جواز نقل الأعضاء من الأموات إلى الأحياء، وفي مسألة جواز تشريح جثّة المسلم لغرض التعليم، ينبني على تحكيم هذا المِعيار، حيث ورد نصٌّ خاصٌّ بأنَّ «كسر عظم المؤمن ميتًا مثلُ كسره حيًّا» [4] ، بينما
(1) الاختيار لتعليل المختار لابن مودود الموصلي: (2/ 96) .
(2) المنثور في القواعد الفقهية للزركشي: (1/ 350) .
(3) القواعد لابن رجب: (1/ 246) .
(4) قال العجلوني في كشف الخفاء (2/ 130) : «رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وللبيهقي عن عائشة مرفوعًا وحسَّنه ابن القطان، وقال ابن دقيق العيد: على شرط مسلم، ورواه الدارقطني عنها، وزاد"في الإثم"، وذكره مالك في"الموطأ"بلاغًا عن عائشة موقوفًا، ورواه ابن ماجه من حديث أمّ سلمة» . وصحَّحه الألباني كما في إرواء الغليل: (3/ 213) .