حرامٌ عندنا وعند المالكية. والثاني: ما يُقطع بأنّها لا تُوصل، ولكن اختلطت بما يوصل، فكان من الاحتياط سدّ الباب، وإلحاق الصّورة النادرة التي قُطع بأنّها لا توصل إلى الحرام، فالغالب منها الموصل إليه ... وهذا غلوٌّ في القول بسدّ الذرائع. الثالث: ما يحتمِل ويحتمِل، وفيه مراتبُ تتفاوت بالقوّة والضّعف، ويختلف الترجيح عند المالكية بسبب تفاوتها، وقال: ونحن نخالفهم في جميعها إلا في القسم الأول، لانضباطه وقيام الدّليل عليه» [1] .
وقال القرطبي، رحمه الله: «اعلم أنَّ ما يفضي إلى الوقوع في المحظور: إمّا أن يلزم منه الوقوع قطعًا أو لا، والأول ليس من هذا الباب [باب الذرائع] ، بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه ففعلُه حرام، من باب ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب. والذي لا يلزم: إمّا أن يفضي إلى المحظور غالبًا، أو ينفكَّ عنه غالبًا، أو يتساوى الأمران، وهو المسمَّى بالذّرائع عندنا: فالأول لا بدَّ من مراعاته، والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من يراعيه، ومنهم من لا يراعيه، وربّما يسمِّيه"التّهمة البعيدة"، و"الذّرائع الضعيفة"» [2] .
والأصحّ في هذا الباب، والله أعلم، عدم اشتراط قطعيّة ارتفاع الضّرر الأكبر بالأصغر، بل تكفي غلبة الظنّ بذلك؛ لأنّ الاكتفاء بالظنّ هو مسلك الشّارع في الذرائع المنصوص على سدِّها، كالخلوة بالأجنبية، وشرب قليل المسكر ونحو ذلك، فهي في أكثرها لا تستلزم المفسدةَ قطعًا بل غالبًا، فكذا ينبغي أن تكون الذّرائع المسكوت
(1) نقله عنه ابنه تاج الدين في الأشباه والنظائر: (1/ 120) .
(2) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط: (8/ 90) ، وكتاب القرطبي في الأصول لم يُطبع على حد علمي.