فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 49

عنها؛ لأنّها مُلحقةٌ بالمنصوصة، فوجب أن تُعتبر بها. ثم إنَّ المعوَّلَ عليه في الأحكام الظنّ لا القطع في أكثر فروع الشّريعة.

والجهة الأخرى من جهات تسبيب الخلاف: تحقيق مناط احتمالية حصول أكبر الضّررين في الواقع. فحتّى مع الاتّفاق على الاكتِفاء بالظنّ، نجد العلماء يختلفون في تقدير احتماليّة الوقوع، فبعضُهم يرى الضّرر الأكبر واقعًا لا مَحالة أو في غالب الظنّ إلا أن يُدفع بارتكاب الضّرر الأصغر، وبعضهم يرى وقوع ذلك الضّرر نفسِهِ مشكوكًا فيه أو حتّى موهومًا.

ومن أمثلة ذلك، ترخيصُ بعض العلماء شربَ الخمر لمن انتهى به العطش إلى الهلاك ولم يجد غيرها، ومَنعَ آخرون ذلك، وسببُ المنع أنّهم رأوا أنَّ الخمر لا تدفع ضرر العطش، وعليه كان دفعُ شربها للهلاك موهومًا لا مظنونًا في نظرهم. قال أبو بكر الجصَّاص: «اختُلف في المضطَّر إلى شرب الخمر، فقال سعيد بن جبير: المطيع المضطّر إلى شرب الخمر يشربها. وهو قول أصحابنا جميعًا، وإنّما يشرب منها مقدار ما يمسك به رَمَقَه؛ إذ كان يردُّ عطشَه. وقال الحارث العُكْلِي ومكحول: لا يشرب؛ لأنّها لا تزيده إلا عطشًا. وقال مالك والشّافعي: لا يشرب؛ لأنّها لا تزيده إلا عطشًا وجوعًا ... قال أبو بكر في قول من قال: إنّها لا تزيل ضرورة العطش والجوع: لا معنى له؛ من وجهين: أحدهما: أنّه معلومٌ من حالها أنّها تمسك الرَّمق عند الضّرورة، وتزيل العطش. ومِنْ أهل الذِّمَّة، فيما بلغنا، من لا يشرب الماء دهرًا اكتفاءً بشرب الخمْر عنه. فقولهم في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت