غيرُ المعقولِ المعلومِ من حال شاربها. والوجه الآخر: أنَّه إن كان كذلك كان الواجبُ أن نحيل مسألةَ السّائل عنها ونقول: إنَّ الضّروره لا تقع إلى شرب الخمر» [1] .
وقال ابن حجر: «وقد اختُلف في جواز شرب الخمر للتداوي وللعطش. قال مالك: لا يشربها؛ لأنّها لا تزيده إلا عطشًا. وهذا هو الأصحّ عند الشّافعية، لكنِ التعليل يقتضي قصر المنع على المتَّخَذ من شيءٍ يكون بطبعه حارًّا كالعِنب والزَّبيب. أمَّا المتَّخَذ من شيءٍ بارد كالشَّعير فلا» [2] . والصَّواب المعقول في هذه المسألة، كما لا يخفى، هو ما قاله الجصَّاص. قال الجويني: «من انتهى به العطش إلى الضّرورة، تعاطَى الخمرَ؛ فإنّها تُسكِّن العطش، ولا يكون استعمالُها في حكم العلاج. ومن قال: الخمر لا تُسكِّن العطش، فليس على بصيرة، ولا يُعدُّ مثلُ هذا مذهبًا، بل هو غلط وَوهْمٌ آيلٌ إلى الحسّ، ومُعاقر الخمر يجتزئُ بها عن الماء» [3] .
ومن الأمثلة أيضًا مسألةُ شَقّ بطن الميتة لإخراج جنينها إذا كانت تُرجى حياتُه، فقد سُئل مالك، رحمه الله، عن ذلك فمنع منه؛ «لأنَّ سلامتَه مشكوكةٌ فلا تُنتهك حرمتها له» [4] . وكذا منع منه أحمد، رحمه الله؛ لأنَّ «هذا الولد لا يعيش عادةً، ولا يتحقَّق أنّه يحيا، فلا يجوز هتك حرمة متيقَّنةٍ لأمرٍ موهوم» [5] . وكذا منع منه إسحاق،
(1) أحكام القرآن للجصاص: (1/ 159) .
(2) فتح الباري لابن حجر: (10/ 80) .
(3) نهاية المطلب للجويني: (18/ 221) .
(4) منح الجليل شرح مختصر خليل لعليش: (1/ 531) .
(5) المغني لابن قدامة: (2/ 411) .