الصفحة 43 من 104

وقيل لعمر إن ها هنا رجلًا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه، ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عندك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين.

وعندما استكتب أبو موسى الأشعري ذميًا كتب إليه عمر يعنفه، وقال عمر له: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تأمنهم وقد خونهم الله.

قلت: إذا كان هذا في اتخاذ كاتب، فكيف باتخاذ الكفار مستشارين وأمناء وأصدقاء وحلفاء؟!!

قال القرطبي رحمه الله بعد أن أورد تلك الآثار عن عمر رضي الله عنه: (وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء) . [1]

لقد ضعفت عقيدة الولاء والبراء عند كثير من المسلمين في هذا العصر، بل وانعدمت بالكلية عند البعض الآخر، وذلك لجهلهم بعقيدة التوحيد، حيث أضحى جل المسلمين لا يميز بين ولاء وبراء، بل قد يتبرأ ممن تتحتم عليه موالاتهم، ويوالي من تجب عليه معاداتهم، واستحدثت كثير من صور الموالاة الكفرية التي يتسابق إليها البعض مسابقة، لنيل شيء من حطام الدنيا الفاني، وهو لا يدري أنه باع آخرته بدنياه، بل بدنيا غيره.

وقد أصبح الإنسان يعجب والله من صنيع هؤلاء أكثر من عجب الأول القائل:

عجبتُ لمبتاع الضلالة بالهدى *** وللمشتري دنياه بالدين أعجب

وأعجب من هذين من باع دينه *** بدنيا سواه فهو من ذين أعجب

فهل تصدق أن يتجسس من يدعي الإسلام، ويسلم المسلم للكافر ليقتله وليمثل به مقابل دولارين، أوأن يبيع بلدًا مسلمًا كاملًا ويسلمه للكفار مقابل أن يبقى في كرسي الحكم مدة لا يدري أتطول أم تقصر؟ وهب أنها طالت، فما النتيجة يا ترى؟ ألم يعلم هؤلاء أن الملك بيد الله عز وجل ليس بيد أحد سواه؟ وأن الله يمهل ولا يهمل.

(1) الجامع لأحكام القرآن ج4 - 179

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت