الصفحة 60 من 104

عندما وصل القائد المسلم عقبة بن نافع رحمه الله المحيط الأطلسي، بعد أن فتح كل شمال إفريقيا، قال: (يا رب! لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك) ، ثم قال: (اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بالله حتى لا يعبد أحد من دونك) ، ثم وقف ساعةً وقال لأصحابه: ارفعوا أيديكم؛ ففعلوا، فقال: (اللهم! إني لم أخرج بطرًا ولا أشرًا، وإنك لتعلم إنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين، وهو أن تعبد ولا يشرك بك شيء، اللهم! إنا معاندون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام، فكن لنا ولا تكن علينا، يا ذا الجلال والإكرام!) ، ثم انصرف راجعًا [1] .

وعندما نادت المرأة المسلمة المعتصم بدار السلام"بغداد"وهي بعمورية"أنقرة"وقالت: (وامعتصماه) ، قال لها: لبيك يا أمة الله. ولبس لأمته [2] ، وعبأ جيوشه، وذهب لخلاصها من الأسر، وضم تلك الرقعة إلى الدولة الإسلامية.

وما فعله المعتصم العباسي فعله الخليفة الأموي الحكم بن هشام بالأندلس، عندما استغاثت به امرأة كذلك في ناحية وادي الحجارة بالأندلس قائلة: (واغوثاه يا حكم! قد ضيعتنا وأسلمتنا واشتغلت عنا، حتى استأسد العدو علينا) .

فلما وفد عباس إلى الحكم وهو أحد عماله رفع إليه شعرًا يستصرخه فيه، ويذكر قول المرأة واستصراخها به، وأنهى إليه عباس ما عليه الثغر من الوهن والتياث الحال، فرثى الحكم للمسلمين، وحمي لنصر الدين، وأمر بالاستعداد للجهاد، وخرج غازيًا لأرض الشرك، فأوغل في بلادهم، وافتتح الحصون، وهدم المنازل، وقتل كثيرًا، وأسر كذلك، وقفل على الناحية التي كانت فيها المرأة، وقال لأهل تلك الناحية وللمرأة: (هل أغاثكم الحكم؟) ، قالوا: (شفى والله الصدور، ونكى في العدو، وما غفل عنا؛ إذ بلغه أمرنا، فأغاثه الله وأعز نصره) [3] .

فمن للمستغيثات والمستغيثين في فلسطين، وأفغانستان، وكشمير، والهند؟ فليستغيثوا بمن شاؤوا من المسلمين، ولكن ليس لهم مغيث إلا الله، ولله در القائل:

رب وامعتصماه انطلقت ... ملء أفواه الضحايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها ... لم تلامس نخوة المعتصم

وبعد ...

(1) الكامل، لابن الأثير، 3/ 308 - 309.

(2) اللأمة: الدرع.

(3) البيان المغرب، 2/ 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت