الصفحة 73 من 104

وما العمليات الجهادية الاستشهادية إلا تغرير بالنفس وتعرض للشهادة، إذا صلحت النية.

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (قد بورز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة المشركين يوم بدر، بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم إياه بما في ذلك من الخير إن قتل) .

قال البيهقي: (هو عوف بن عفراء، ذكره ابن إسحاق، ثم ذكر في الباب قصة عمير بن الحمام، وأنس بن النضر، وغير ذلك) .

قلت: إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لعوف بن عفراء أن ينغمس في صف العدو ويحمل عليهم وهو حاسر لا سلاح معه، فكيف بمن هو لابس لحزامه وشاك لسلاحه؟!

قال القرطبي في تفسيره: (واختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب، وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد - بن أبي بكر الصديق - وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم، إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن له قوة فذلك من التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بَيِّنٌ في قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} ) .

وقال ابن خويزمنداد - المالكي: (فأما أن يحمل الرجل على مائة، أو على جملة العسكر، أو جماعة اللصوص، والمحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه يقتل، ولكنه سينكي نكاية، أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز، ولما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الحَجَفة وألقوني، ففعلوا، فقالتهم وحده وفتح الباب) [1] .

قلت: لا أشك قط أن الأبطال الأوائل أمثال البراء وغيره؛ لو تيسرت لهم الأحزمة المتفجرة هذه للبسوها، إذ لا فرق في النتيجة بين أن يُحْمَل على أسنة الرماح ويُلقى به في وسط العدو وهو مقتول لا شك في ذلك، وبين أن يلبس حزامًا يتفجر به في وسط الأعداء.

(1) الجامع لأحكام القرآن ج2/ 363 - 364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت