بنفسه إلى التهلكة)، فبيَّن لهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن التهلكة هي في الركون إلى الدنيا وترك الغزو والجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله.
أقوال بعض أهل العلم في جواز انغماس المسلم في صف العدو، وإن غلب على ظنه القتل:
أورد الإمام المجاهد ابن النحاس في كتابه السابق الذكر - بعد أن ذكر العديد من الأقوال والأفعال مما يدل على جواز ذلك - أقوالًا لبعض أهل العلم المجيزين لها، فقال: (اعلم أن العلماء رضي الله عنهم اختلفوا في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو الكثير وحده، وانغماسه فيهم، وقد تقدم من الأدلة أقوالًا وأفعالًا على استحباب ذلك وفضله ما فيه كفاية) .
إلى أن قال: (قال أبو حامد الغزالي رحمه الله في"الإحياء"في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يقتل، وكما أنه يجوز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز - أيضًا - ذلك في الأمر والنهي عن المنكر، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف أوالعاجز، فذلك حرام، وداخل في عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يُقتل حتى يقتل، أوعلم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة، وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتكسر بذلك شوكتهم") [1] .
كل هذه الأغراض تحققها العمليات الجهادية الاستشهادية، فهي تقتل من العدو ما شاء الله أن تقتل، وتزرع الرعب والخوف والفزع في قلوبهم، وتكسر شوكتهم، وتذل غطرستهم وغرورهم.
وقال الرافعي والنووي وغيرهما: (التغرير بالنفس في الجهاد جائز) ، ونقل - أي النووي - في شرح مسلم [2] الاتفاق عليه، ذكره في غزوة ذي قِرْد.
وقال النووي معلقًا على ما فعله عمير بن الحَمَام، حين أخرج التمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: (إن أنا حييت حتى آكل تمراتي؛ هذه إنها لحياة طويلة) ، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل.
قال النووي: (فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة، وهو جائز، لا كراهة فيه عند جماهير العلماء) [3] .
(1) إتحاف السادة المتقين في شرح أسرار إحياء علوم الدين ج7/ 26.
(2) ج12/ 187.
(3) المصدر السابق.