أهل حمص أنه أدرك بها شيخًا روميًا من فرسان الروم الذين كانوا بحمص أعور، قال: فقيل له: سله عن سبب عوره؟ فقال: إن المسلمين لما ساروا إلى حمص نزلوا بحيرة قدس على نهر الأرُند - العاصي - فبعثني بِطْريقُ حمص في ثلاثين من فرسانه، وأمرنا أن نستبطن نهر الأرُند حتى ندنو من عسكر المسلمين فنأتيه بأسير أو خبر، قال: فخرجنا فاستبطنا بطن الوادي، فلما دنونا من العسكر إذا رجل من جيزة النهر - أي ناحية النهر الأخرى - منقعًا فرسه في النهر، ورمحه إلى جانبه، فلما رآنا وضع سرجه على فرسه وركب، وتناول رمحه، فظننا أنه قد ذعر منا، وأراد أن يبدرنا إلى العسكر).
قال:(فرمى بها - أي الفرس - في جرية الماء، فجعلنا نتعجب من جرأته على النهر وعلينا، فخرجت به فرسه من النهر، وانتفضت به، فلما انتهى إلى الجرف الذي يلينا أرادها على الوثوب به فلم يتهيأ لها، فقام على سرجه ووضع الرمح فاتكأ عليه ووثب، فإذا هو قد علا الجرف وصاح بها، فإذا هي معه، فوثب عليها، ثم أقبل إلينا فالتف بعضنا إلى بعض، فشد علينا، ففرق بيننا، وخلا برجل فدق ظهره، والتف بعضنا إلى بعض، وشد علينا ففرق بيننا، وخلا برجل فدق ظهره، ففعل ذلك مرارًا.
فلما رأينا ذلك؛ ولينا منهزمين إلى المدينة، فأتبعنا، فكلما لحق رجلًا قتله، حتى لم يبق منهم غيري، ودنا من باب حمص، وقد رأى من كان ببرج الباب ما كان يصنع، فأخرجوا فوارس إلينا، فلما رأيت الفوارس ظننت أنه قد هابهم وانصرف، فالتفت لأعرف ما صنع، فإذا سنان رمحه في عيني، والتفت به الفرسان فقتلته، فأقبل جماعة من المسلمين في طلبه فانتهوا إليه صريعًا، ودخلنا المدينة فأسمعهم يقولون: مسحل، مسحل - أي الشجاع الذي يعمل وحده - فدفنوه في طائفة من دير، فبها سمي ما هناك:"دير مسحل").
7)وفيما فعله سالم مولى أبي حذيفة؛ عندما حفر لنفسه حفرة ودخل فيها إلى نصفه، فقاتل حتى قتل في قتال المرتدين، أقوى دليل على مشروعية تلك العمليات الاستشهادية، وإن اختلفت الوسيلة.
8)وكذلك ما فعله البطل الهمام علي بن أسد عندما غزا المسلمون الروم في البحر؛ فقرنوا مراكبهم بمراكب العدو، فقال علي: (لا أطلب الجنة بعد اليوم أبدًا) ، فاقتحم بنفسه في سفائنهم، فما زال يضربهم وينحازوا، ويضربهم وينحازوا، حتى مالوا في شق واحد فانكفأت عليهم السفينة، فغرق وعليه درع حديد.
9)ومن الشواهد على جواز هذه العمليات الجهادية؛ ما فعله ذلكم الفارس في حرب القسطنطينية، عندما انغمس في صف العدو وحده ليخرقه، فقال البعض: (ألقى