فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 174

خامسًا: معنى العبادة [1] :

معنى العبادة في اللغة: الطاعة. والتعبد: التنسك.

قوله تعالى: {فادخلي في عبادي} أي في حزبي، فأضاف معنى جديدا، وهو الولاء، ويرى الأستاذ أبو الأعلى المودودي استنادا إلى الاستعمال اللغوي لمادة [ع ب د] أن مفهوم العبادة الأساسي أن يذعن المرء لعلو أحد وغلبته، ثم ينزل له عن حريته واستقلاله، ويترك إزاءه كل مقاومة وعصيان وينقاد له انقيادا. وهذه هي حقيقة"العبدية"و"العبودية"ومن ذلك أن أول ما يتمثل في ذهن العربي بمجرد سماعه كلمة"العبد"و"العبادة"هو تصور العبدية والعبودية، وبما أن وظيفة العبد الحقيقية هي إطاعة سيده وامتثاله أوامره، فحتما يتبعه تصور الإطاعة.

ثم إذا كان العبد لم يقف به الأمر على أن يكون قد أسلم نفسه لسيده طاعة وتذللا، بل كان مع ذلك يعتقد بعلائه ويعترف بعلو شأنه، وكان قلبه مفعما بعواطف الشكر والامتنان على نعمه وأياديه، فإنه يبالغ في تمجيده وتعظيمه، ويتفنن في إبداء الشكر على آلائه، وفي أداء شعائر"العبودية"له، كل ذلك اسمه التأله والتنسك. وهذا التصور لا ينضم إلى معاني العبودية إلا إذا كان العبد لا يخضع لسيده رأسه فحسب، بل يخضع معه قلبه أيضا.

معنى العبادة في الشرع:"والعبادة أصل معناها: الذل أيضا، يقال طريق معبد، إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى مع غاية المحبة له سبحانه."

ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له، لم يكن عابدا له، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلي العبد من كل شيء. وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله - وبهذا ندرك أن العبادة المشروعة لا بد لها من أمرين:

الأول: هو الالتزام بما شرعه الله ودعا إليه رسله، أمرا ونهيا، وتحليلا وتحريما، وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله، فليس عبدا ولا عابدا لله من رفض الاستسلام لأمره، واستكبر عن اتباع نهجه، والانقياد لشرعه، وإن أقر بأن الله خالقه ورازقه [2] ، فقد كان مشركو العرب يقرون بذلك، ولم يجعلهم القرآن بذلك مؤمنين ولا عبادا لله طائعين، فخضوع الإقرار بالربوبية لا يكفي، وخضوع الاستعانة في الكربات والاستغاثة في الشدائد لا يكفي، ولا بد من خضوع التعبد والانقياد والاتباع الذي هو حق الألوهية، وبهذا يتحقق معنى (إياك نعبد وإياك نستعين) .

أساس الخضوع لله الواحد القهار هو الشعور الذاتي بالحاجة إلى من يملك الضر والنفع والموت والحياة، ومن له الخلق والأمر، ومن بيده ملكوت كل شيء، ومن إذا أراد شيئا قل له (كن) فيكون .. الشعور بالضعف أمام من

(1) / يراجع كتاب في ظلال الإسلام لفضيلة الشيخ أبو أحمد عبد الرحمن المصري حفظه الله.

(2) / تماما كما فعلت طائفة حماس المرتدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت