عينية دون مراعاة لتحقيق المصلحة الشرعية الحقيقية لا المتوهمة؟ وهل عرفوا وتحققوا من قدرتهم على تحقيقها ولو بغلبة الظن؟ وهل علموا أن هؤلاء ليسوا على مستوى من الفقه والدراية - ولا نريد أن نقول أنه في كثير من الأحيان ولا التقوى والورع - أن يحققوا المناط الخاص الذي تركت لهم الفتوى تحقيقه؟
ومعلوم؛ أن العامي ليس له أن يحكم في المناط الخاص إلا إن كان من الأمور الفقهية التى لا تتعدى شخصه - كمقدار القهقهة في الصلاة التي يصل بها إلى حدّ الفساد - فكيف يترك لهؤلاء أمر هذا المناط يعيثون فيه ما شاء لهم؟!
لو أن المتصدون للمشاركة هم من أمثال الأشقر أو الصاوي أو غيرهم، ممن لهم علم بالشريعة، لهان الأمر، ولكن ألم يعلم هؤلاء المفتين أن بن عباس قد أفتى رجلا بعدم قبول توبة القاتل لمّا استشف من حديثه أنه يعتزم الإقدام على القتل، رغم صحة توبة القاتل شرعًا؟
أن الأدلة الشرعية قد تناولها المفتون بهذه الفتوى على شكل يهيئ لهم ما أرادوه وما سبق لهم الرأي به، فقد قالوا: (وشرْع من قبلنا؛ شرع لنا، ما لم يرد ما ينسخه، كما هو مقرر في كتب الأصول) .
وهذا الأصل من أصول الفقه هو مما اختلف فيه العلماء، فقد قرره الأحناف وبعض المالكية والشافعية، ومنعت منه الحنابلة ومعظم الشافعية والمالكية والحنابلة، الذين قرروا أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، كما حققه الغزالي الشافعيّ في"المنخول من تعليقات الأصول" [ص: 333] ، وكما نصره بن قدامة الحنبلي في"روضة الناظر وجنة المناظر" [ص: 82 وبعدها] ، وغيرهم كثير، وقد بينوا حججًا لا تندفع، وردوا على ما قدمه الخصم في هذا الصدد، فليرجع لهذه المواضع من يشاء أن يتحقق بالحق ويهتدي بهديه ويخلع عن نفسه ربقة التقليد المذموم.
وقد كان أولى بمن أصدر هذه الفتوى؛ أن يقرر هذا الخلاف، وأن يحققه، لتكون فتواه أقرب للحق وأتقى لله من مجرد ما ارتآه موافقًا لمذهبه في هذا الموضع، والله يعلم إن كان ممن يتبع هذا المذهب - أن شرع من قبلنا هو شرع لنا - في بقية فتواه؟
حكى أصحاب الفتوى؛ أن من المعاصرين من يرى الإستثناء من الأصل بالمصلحة! فما هي حقيقة هذا الرأي؟! هل نشتم من هذا رأي الطوفي في أن المصلحة تخصص النص؟