ثم إن قول القائل: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} ، وقولهم أن"مِن"في الآية للتبعيض؛ لأنه لم يكن مستقلاًّ في الحكم، فهذا من الخطأ بمكان، إذ إن قصد فيها أن التبعيض هنا يقصد المشاركة في الحكم في نفس الأرض! فإن"من"في قوله تعالى: {مِنْهَا} ، تتعلق بالأرض التي ذكرها الله سبحانه أنه قد بوأها يوسف - لا بعضها - والتي هي إما كل ما يملكه فرعون على قول بعض المفسرين، أو أنها الطعام والخراج في مصر على قول آخر، فليس في"من"تبعيض ولا إشارة لتبعيض!
قال الألوسي: (ومنها؛ متعلق بما عنده وقيل بمحذوف وقع حالا من حيث) [روح المعاني: ج7/ص8] .
والأصح أنه كما قال أولا، أنها تتعلق بكل ما عنده من"أرض"، إذ أن القول الآخر قد استدرك عليه.
لا شك أنه كان للملك نظام موضوع، إلا أن يوسف عليه السلام كان متمكنا مما يؤديه وما له عليه من سلطة، وبهذا تجتمع الايات وتتقارب المفاهيم.
ثم أنه لا شك أن الحكم قد آل اليه بالكلية في النهاية، كما في قوله تعالى: {يَآ أيُّهَا الْعَزيْز} ، وقوله هو: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} ، وقول الله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} ، فهذا يشير إشارة واضحة لأنه كان ممكّنا، أولا تمكينا تاما فيما تحت يديه، ثم آل الأمر اليه في النهاية، إن كان هناك فارق زمني بينهما.
وهو ما ذكرته الفتوى عن بعض الأفاضل، ولم تعن مرة أخرى بالرد عليه، وإنما انتهت إلى القول؛"بما يطمئن القلب إليه ..."، كما في قول المفتين!
ثم ما هو وجه التشابه بين المناطين، مناط يوسف ومناط سياسيّ الغرب من المسلمين؟ هل يدّعى المجيزون أن يوسف عليه السلام - وإن اشترك في حكومة كافرة - كان يحكم بغير شرع الله ولو في جزئية واحدة، أم أنهم يدّعون أن أولئك الذين يبحرون في خضم السياسة الأمريكية سيتمكنون من أن يطبقوا أحكام الشريعة ولو في جزئية واحدة؟
إن كان جوابهم عن الأولى؛ أن يوسف كان يحكم بغير شرع الله في بعض الجزئيات، فعليهم مراجعة إيمانهم كلية.
وإن قالوا؛ بل سيقوم هؤلاء المتسيسون من المسلمين بإقامة العدل وتأمين المصالح، فهم قد قرروا أن الدستور الأمريكي يكفل العدل ويضمن الحرية لكل فرد، أو كما قالوا نصا: