فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 391

مضروبًا . وإن جاء شيءٌ من ذلك جاء على تعسُّفٍ فيه وتأويلٍ لا يُتصَّور هاهنا وذلك أن يقالَ مثلًا: زيدٌ هو المظلومُ على معنى أنه لم يُصِبْ أحدًا ظلمٌ يبلغ في الشِّدَةِ والشَّناعة الظلمَ الذي لَحِقَه فصار كلُّ ظلمٍ سِواهُ عَدلًا في جنبه . ولا يجيءُ هذا التأويلُ في قولنا: أنتَ الحبيبُ لأنَّا نعلمُ أَّنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا: إنَّ أحدًا لم يُحبَّ أحدًا مَحبتي لك . وإنَّ ذلك قد أبطل المحبَّاتِ كلَّها حتى صِرْتَ الذي لا يُعقل للمحبةِ معنًى إلاّ فيه . وإنّما الذي يريدون أنَّ المحبةَ مني بجملتها مقصورةٌ عليكَ وأنه لَيْسَ لأحدٍ غيرِك حظُّ في محبةٍ مني

وإذا كان كذلك بانَ أنَّه لا يكونُ بمنزلِة"أنتَ الشجاعُ". تريدُ الذي تكاملَ الوصفُ فيه . إلاّ أنّه يَنْبغي من بَعْدُ أن تعلمَ أنَّ بين"أنتَ الحبيبُ"وبينَ"زيدٌ المنطلقُ"فرقًا وهو أنَّ لك في المحبة التي أثبتُّها طرفًا من الجنسية من حيثُ كان المعنى أن المحبَّةَ مني بجملتها مقصورةٌ عليك ولم تعمَدْ إلى محبةٍ واحدةٍ من محبّاتِك . ألا ترىَ أنَّك قد أعطيتَ بقولكَ: أنت الحبيبُ أنك لا تحبُّ غيرَه وأنْ لا محبةَ لأحدٍ سِواه عندَك ولا يُتصوَّر هذا في"زيدٌ المنطلقُ"لأنه لا وجهَ هناك للجنسيةِ إذ ليس ثَمَّ إلا انطلاقٌ واحدٌ قد عَرَف المخاطَبُ أنه كان واحتاجَ أن يعيَّن له الذي كان منه ويَنُصَّ له عليه . فإن قلتَ: زيدٌ المنطلقُ في حاجتك تريدُ الذي من شأنه أن يَسْعَى في حاجَتك عرضَ فيه معنى الجنسية حينئذٍ على حَدِّها في"أنت الحبيبُ". وهاهُنا أصلٌ يجب أن تُحْكمَهُ وهو أنّ من شأنِ أسماءِ الأجناس كلِّها إذا وصِفَتْ أن تتنوَّعَ بالصفةِ فيصيرُ الرجلُ الذي هو جنسٌ واحدٌ إذا وصفْتَه فقلتَ:"رجلٌ ظريفٌ ورجلٌ قصير ورجلٌ شاعر ورجلٌ كاتب"أنواعًا مختلفةً يُعَدُّ كلُّ منها شيئًا على حِدةٍ . ويُسْتَأْنَفُ في اسم الرجل بكلِّ صفة تقرِنُها إليه جنسية . وهكذا القولُ في المصادر تقول: العِلْمُ والجهلُ والضربُ والقتلُ والسَّيرُ والقيامُ والقعودُ . فتجدُ كلَّ واحد من هذه المعاني جنسًا كالرجل والفرس والحمارِ . فإذا وصفتَ فقلتَ: عِلْمُ كذا وعلُم كذا كقولك: عِلمٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت