هذه المسألة من المسائل الخلافيّة الدقيقة التي اختُلف في حكاية الخلاف فيها، فمِن أهل العلم مَن ألغى الخلاف في المسألة، وحَكَى أنه لا يجوز استلحاق مقطوع النسب قولًا واحدًا، وممّن حكى الإجماع:
أبو عيسى الترمذي (ت 279 هـ) صاحب (السنن) فإنه قال: «العَملُ على هذا عند أهل العلم أن ولد الزنا لا يَرثُ من أبيه» [1] [2] .
وقال الحافظ أبو عُمر ابن عبد البر (ت 463 هـ) : «أما اليوم في الإسلام بعد أن أحكم الله شريعته وأكمل دينه فلا يلحق ولد من زنا بمدعيه أبدًا عند أحدٍ مِن العلماء؛ كان هناك فراشٌ أوْ لم يَكن» [3] ، وحكاه غيرهم [4] .
غيرَ أنه - مع هذا الإجماع المحكي- قد نُقل خلافٌ في هذه المسألة، بل إن الخلاف فيها متقدّمٌ وعالٍ، ولعلَّ هذا الاتفاقَ المحكيَّ ونفيَ الخلاف إنما هو في العمل، ممّا يدلُّ على شهرةِ القول الأول في المسألة وظهوره [5] .
وقد حرصتُ في هذا المبحث أنّ أتتبع الأقوال في المسألة في مصادرها للتدقيق في نسبة الأقوال، وحَدِّها.
وقبل ذلك قدّمتُ بذكر محلّ الخلاف في هذه المسألة.
تصوّر محل النزاع في المسألة مهم، لحمل الأدلة على صورها المناسبة، فإن استلحاق مقطوع النسب له أربع حالات:
(1) السنن للترمذي 4/ 428.
(2) قال ابن رجب في غير هذه المسألة ممّا حكى الترمذي عليه العمل: (وهذا يُشعر بحكاية الإجماع عليه) [فتح الباري 4/ 431] .
(3) الاستذكار 7/ 164، وَ 7/ 172.
(4) كالمازري ونقله عنه في (فيض القدير 6/ 377) ، وابن رُشد في (بداية المجتهد 2/ 358) .
إضافةً لما نُقل من الإجماع والاتفاق في صور مقطوع النسب السابقة.
(5) ذكر ابن حجر الهيتمي في (الفتاوى الفقهية 3/ 126) أنّ الشخص لو أقرّ بنسب مجهول ثم رجع بحجة أنه كان يظن أن ولد الزنا يلحق الزاني، فإنه لا يُقبل. لأن لا أحدَ يقول بإلحاق الولد من الزنا (فلا قرينة تساعدُه ولا ظاهرٌ يَستند إليه) .