الصفحة 21 من 30

(ب) ومَن رأى صحّة الاستلحاق، وجّه هذا الأثر، فقال:

إنّ عُمر ألحق أولاد البغايا بآبائهم مِن الزنا؛ لأنه لا فراش للبغي. وحُكم عُمر كان في الإسلام فلا فرق بين أن يكون سبب الولادة في الجاهلية أو الإسلام، وإنما العبرة بالحُكم.

فنظروا لعموم فعلِه، ولم يخصّوه بحالةٍ مَا.

وفي هذا بُعد وتكلّف ظاهر؛ لأن فعل عمر - رضي الله عنه - مقيّدٌ بما جاء عنه من تخصيص ذلك بما كان السبب فيه قبل الإسلام.

وهذه الأدلّة إنّ صحّ إسنادُها فهي الأصل في المسألة ولا يجوز الخروج عنها، لذا قال ابن القيم - وهو أكثر من انتصر لصحّة الاستلحاق-: «إن ثبَتَ هذا الحديثُ [1] تعيَّنَ القولُ بموجبه والمصيرُ إليه، وإلا فالقولُ قولُ إسحاقَ ومن معه» [2] .

وهذا إنصافٌ منه: وحرصٌ للوصول إلى الحقّ، ولذا فإني سأتوسَّع في تخريج الأحاديث لتعلّق الحُكِم بإسنادها.

وأقوى الأدلة النصيّة ثلاثة أدلة وكلّها دالةٌ على عدم صحّة الاستلحاق:

1 -حديث عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

«مَن عَاهَرَ أمةً أو حُرةً فولده ولدَ زنا لا يرث ولا يُورَث» [3] .

فهذا الحديث مطلَقٌ يدلُّ على أن ولد الزنا لا يُستلحَق بوجه.

(1) أي الحديث الأول الذي سيأتي.

(2) زاد المعاد لابن القيم 5/ 429.

(3) هذا الحديث ثابتٌ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه. وقد رواه عنه جماعة:

1 -سليمان بن موسى: رواه الإمام أحمد (2/ 181) ، وأبو داود في (2267) ، وابن ماجه (2746) ، والدارمي (3112) ، والبيهقي في (السنن الكبرى 6/ 260) . من طرقٍ عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه به.

2 -وحُسين المعلّم: رواه الإمام أحمد (2/ 179) ، وأبو داود (2276) ، وابن أبي شيبة (المصنف 14/ 487) ، ونقله عنه كاملًا البوصيري في (إتحاف الخيرة المهرة 4/ 197) ، وابن عبد البر في (الاستذكار 7/ 164) . ... =

= 3 - وعبد الملك بن جريج: رواه عبد الرزاق في (المصنف 10/ 289) .

4 -والمثنى بن الصباح: رواه ابن ماجه (2745) .

5 -وعبد الله بن لهيعة: عند الترمذي (2113) .

6 -ويعقوب بن عطاء: ورواه من طريقه: الخطيب في (تاريخ بغداد 5/ 23) .

7 -وسوّار بن مصعب: ومن طريقه: البيهقي في (دلائل النبوّة 5/ 86) .

8 -الليث بن أبي سُليم: رواه أبو يعلى كما في (إتحاف الخيرة المهرة 1/ 460) .

9 -الحجاج بن أرطاة: رواه ابن أبي عُمر في (مسنده) كما في (إتحاف الخيرة 4614) .

وحسّن إسنادَ هذا الحديث ابن مفلح في (الفروع 9/ 226) ، والبوصيري في (مصباح الزجاجة 2/ 92) ، وفي (إتحاف الخيرة المهرة 1/ 461) . إذ (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده) سلسلة مشهورة اعتدّ بها في كثير من الأحكام، وهي محمولة على الاتصال إجمالًا؛ قال البخاري في (التاريخ الكبير 6/ 324) : (رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله والحميدي وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه) .

وقد أعلّ عبد الحق الأشبيلي هذا الحديث في (الأحكام الوسطى 3/ 218) بالانقطاع. واعترض عليه ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام 5/ 471) بعدم صحّة ذلك.

ويؤيد أن هذه الرواية بالخصوص محمولة على الاتصال ما جاء من طريق الليث المتقدمة: عن عمرو، عن أبيه، عن عبد الله. ففيه تصريحٌ بأن جدّ عمرو في الحديث هو عبد الله بن عمرو ب، فتُحمل على الاتصال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت