المفهوم الذي ذكروه لا تُسلّم دلالتُه، بخلاف استدلال الجمهور فإنه استدلال بعمومٍ، ولا شكّ أن دلالة العموم أقوى، كما أنهم أعملوا الجملتين معًا؛ وهو أولَى من إهمال أحدهما كما هو ظاهر من استدلال أصحاب القول الأول.
الدليل الثاني (ممّا استدل به المذهبان) : ما جاء: «أن عمر بن الخطاب كان يَليط [1] أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام» [2] .
فهذا الأثر استدلّ به الفريقان معًا، قال الماوردي (ت 450 هـ) [3] :
(استدلوا جميعًا مع اختلاف مذاهبهم بما رُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه:
«أنه كان يليط أولادَ البغايا في الجاهلية بآبائهم» ).
وذلك على النحو التالي:
(أ) فالجمهور الذين رأوا عدم صحّة الاستلحاق، وجّهوا هذا الأثر:
بأن فعل عُمر ا إنما كان قضاءً فيمَن ولد مِن الزنا في الجاهلية، أمّامَن ولد في الإسلام فإن كان لا يُلحقُه [4] ؛ ذكر ذلك الطّحاوي (ت 321 هـ) [5] ، وابن عبد البر (ت 463 هـ) [6] ، وغيرُهم، واستدلّوا على ذلك بمَا ثبت أن عُمر أنه قال: «لا يجوز دِعواة ولد الزنا في الإسلام» [7] . وهذا صريحٌ أن عمر لا يُلحق ولد الزنا بمَن ادّعاه في الإسلام.
(1) (يليط) : مِن ألاَطه يلِيطه؛ إذا ألْصَقه به، والمراد أنه يُلْحِقُهم بهم. [النهاية لابن الأثير 4/ 589] .
(2) رواه الإمام مالك في (الموطأ 1420) ، وعبد الرزاق في (المصنف 7/ 303) ، والطحاوي في (أحكام القرآن 2/ 428) ، وفي (شرح مشكل الآثار 11/ 17) ، والبيهقي في (السنن الكبرى 10/ 263) ، و (السنن الصغرى 4745) .
ورجاله ثقات؛ إلا أنّ الراوي عن عُمر (سليمان بن يسار) لم يدركه.
(3) في (الحاوي 8/ 454) .
(4) فيكون من الحالة الثانية التي سبق ذكرها في تحرير محل النزاع ص 15.
(5) في (أحكام القرآن 2/ 429) .
(6) في (الاستذكار 7/ 172) .
(7) رواه عبد الرزاق في (المصنف 13850) .