الصفحة 19 من 30

-ومن جهةٍ أخرى استدلُّوا بعموم الجملة الثانية؛ وهي قوله - صلى الله عليه وسلم:

«وَللعَاهر الحَجَر» ؛ وَهذه جُملةٌ جيءَ بها للتوبيخ، فلا يُنسَبُ للعَاهر والزَّاني ولدٌ بسبب زناه أو عُهره [1] .

(ب) ومن رأى صحّة الإلحاق استدلّ بهذا الحديث أيضًا، ووجه الاستدلال [2] :

أن الحديثَ إنمَا يَدلُّ على عدم الإلحاق مع وجود الفراش [3] ،

فمفهوم المخالفة أنه إذا لم يكن هناك فراشٌ فإنه يمكن الإلحاق نسبُ الولد بالزاني العاهر.

فحقيقة هذا الاستدلال تخصيص عموم الجملة الثانية بمفهوم الأولى.

ويؤيد ذلك قولُ عَطاءٍ: (إنما ذلك لأن الناس في الإسلام ادعوا أولادًا ولدوا على فُرُشِ رجال فقالوا: «هُمْ لنا» . قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ) [4] .

فبيّن أن سبب الحديث فيمَن وُلِدَ على فراش رجل.

ويُجابُ عن ذلك: أن ما ذُكر هو مفهومُ شرطٍ، وإنما يُقبل لو كان الحديث فيه صيغة الشرطيّة؛ كما لو قال: (إذا كانت المرأة فراشًا فللعاهر الحجر) .

والصّواب: أن هاتين الجملتين منفصلتان، فلا يُستلحَق الولد معلوم النسب الذي ولد على فراشٍ مُطلقًا، كما لا يستلحِقُ الزاني مطلقًا.

وليست أحدهما متعلقةً بالأخرى.

وبذا يظهر أن دلالة هذا الحديث على نفي النَّسب عن الولد مِن غير الفراش، أقوى من دلالته على إثباته لنسب الولد للزاني إذا لم تكن أُمّه فراشًا؛ وذلك لأنّ

(1) ذكر شُراح الحديث: أن قوله - صلى الله عليه وسلم: «وللعاهر الحجر» : أي له الخيبة ولا حظَّ له في الولد؛ كما يُقال: (بفيه التراب) . وليس معنى الحديث إقامة الحدّ على كُل زاني، بل هذه الجُملة باقية على عمومها.

(2) مسائل إسحاق بن منصور 2689، زاد المعاد 5/ 425. قال ابن راهوية: (ليس هاهنا خلاف لقول النبي - صلى الله عليه وسلم:(الولد للفراش، وللعاهر الحجر) ؛ لأنه لا فراش هاهنا).

(3) مجموع الفتاوى 32/ 113، الفروع 9/ 225، زاد المعاد 5/ 425

(4) رواه عبد الرزاق في (المصنف 12369) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت