الصفحة 28 من 30

لعلّ الراجح في هذه المسألة -والعلم عند الله- هو قول جمهور الفقهاء بعدم صحّة الاستلحاق لمقطوع النسب؛ لأن هذه المسألة -كما قرر الفريقان معًا- مبنيّةٌ على صحّة الحديث، وقد صحّ.

أضف لذلك الاتفاقات التي حُكيت في المسألة أو بعض صورها [1] ،

ممّا يقوّي هذا القول. ويؤيّد ما قيل مِن شذوذ الرأي الآخر [2] .

وقد ذكر حافظ المغرب أبو عُمر ابن عبد البر (ت 463 هـ) أنّ هذا القول ظاهرٌ في الدلالة من الحديث، فقال: «ولد الزنا في الإسلام لا يلحق بإجماعٍ. ما يقطع العذر وتسكن إليه النفس؛ لأنه أصلٌ وإجماعٌ ونصٌ، وليس التأويل كالنصّ!!» [3] .

وصدق! فإن النصّ ظاهر الدلالة، إضافةً للإجماعات المحكيّة، مع موافقته للأصل بإلغاء أثر الفعل المحرّم وإبطال نتيجته.

أضف لذلك أن هذا القول فيه مراعاةٌ لمبدأ سدّ الذريعة فإن بعضًا من الناس إنما يمنعه من المعاشرة بالحرام خشية الولد، فإذا أُكّد على ذلك ولم يتساهل في إلحاق النسب كان ذلك مانعًا له من التساهل فيه [4] .

قال السَّرخسي (ت 500 هـ) : «النسبُ مِن الزاني حقُّ الشَّرع؛ إما بطريق العقوبة ليكون له زجرًا عن الزنا إذا علم أن ماءه يضيع به، أو لأن الزانيةَ نَابَهَا غيرُ واحدٍ، فرُبما يحصل فيه نسبُ الولد إلى غير أبيه، وذلك حرامٌ شرعًا ..

(1) ممّن نقل الإجماع أو الاتفاق: الترمذي، وابن المنذر، وابن عبد البر، وابن حزم، والمازري، وابن القطان، وابن رشد، و ابن أبي عُمر. وتقدّم نقلها.

(2) قال أبن رُشد في (بداية المجتهد 2/ 358) : (شذَّ قومٌ فقالوا: يلتحق ولد الزنا في الاسلام، أعني الذي كان عن زنا في الاسلام) .

(3) التمهيد 8/ 190.

(4) ذكر الغزنوي (ت 773 هـ) في (الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة ص 140) أن إثبات النسب من الزنا موجب لظهور الفاحشة، فهو حرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت