ابن سحماء، فلاعنها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أبصروها فإن جاءت به أبيضَ سبطًا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدًا حمش السَّاقين فهو لشَريك بن سَحماء» قال: «فأنبئتُ أنها جاءت به أكحلَ جَعْدًَا حمشَ السَّاقين» . وقد جاء في بعضِ روايات الحديث التصريح بعدم الإلحاق، فجاء أن ابنَ عباس قال: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَلا يُدْعَى وَلَدُهَا لأَبٍ» [1] .
وهذا الحديث ظاهرٌ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُلحق النسب بشَريكِ بن سحماء مع ظهور الوَصفِ الذي فيه، مع أنّ هذا الولد مقطوع النسب محكومٌ بأنه ابن زنا ومع ذلك لم يلحق به؛ ممّا يدلّ على عدم صحة الاستلحاق. فتحقق لنا أن هذه الأدلة الثلاثة صحيحةٌ وهي دالةٌ على عدم صحة الاستلحاق.
ذكر ابن القيم في هذه المسألة: أنّ «هذا مضيقٌ لا يتخلَّصُ منه إلا المستبصرُ البَصيرُ بأدلّة الشّرع وأسرارِه، والخبيرُ بجمعِه وفَرقِه الذي سافرت به همتُه إلى مطلع الأحكام والمشكاة التي منها ظهر الحلال والحرام» [2] .
وهذه المسألة محلُّ البحث مَبنيّةٌ على مَعنيين مُعتبرين، قد يَتعَارضان في التصور المَبدئي في التطبيق، والفقهاءُ بيّن مغلّب لأحد المعنيين، ومتوسطٍ بينهما. وسأفرد هذين المعنيين بالبحث؛ لأن جميع المعاني في المسألة ترجع لهما:
المعنى الأول: «تشوُّف الشَّارع لإثبات النسب» :
فالمستقرئ لمقاصد الشريعة وحِكَمِها يَظهر له جليًّا عنايتُها وحرصُها على حفظ النسب، والتشوّف لإثباته؛ حتى عُدّ ذلك واحدًا من المقاصد الضّرورية الخمس للشّريعة الإسلامية.
(1) رواه الإمام أحمد (1/ 238) ، وأبو داود (2258) ، والبيهقي (7/ 409) ، وأبو يعلى في (المسند 2740) . من طريق: عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس به.
وقد أعلّ كثير من الحفاظ هذا الحديث بعبّاد، قال أبو الحارث: سُئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث عبَّاد بن منصور عن عكرمة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لاعن بالحمل. قال: (هذا باطلٌ، إنَّما قال:(إن جاءت به كذا وكذا ... ) . وقال: (عبَّاد عن عكرمة ليس بشيءٍ، عبَّاد ضعيفٌ وأحاديثه مناكير) . [تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي 4/ 441] .
(2) زاد المعاد 5/ 381.