-ولهذا الحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن عَهَرَ بامرأة لا يملكها أو بامرأةِ قومٍ آخرين فولدت فليس بولدِه لا يَرثُ ولا يُورَث» [1] .
-وله شاهد ثانٍ أيضًا من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«لا مُسَاعاة في الإسلام [2] مَن سَاعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته، ومَن ادَّعى وَلَدًا مِن غير رشدة فلا يَرثُ ولا يُورَث» [3] .
2 -حديث عائشة المتقدم [4] ، وفيه: «فلمّا بُعِثَ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - بالحقِّ هدم نكاح الجاهلية كلّه إلا نكاح الناس اليوم» ، مع أنها ذكرتْ من نكاح الجاهلية الذي هُدم وأُلغي: استلحاق المولود بسبب زنا.
وهذا نصٌّ صريحٌ في إبطال استلحاق ولد الزنا بعد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم -.
3 -خبر الملاعن، ففي الصحيحين [5] : «أن هلالَ بن أمية قذف امرأته بشَريك
(1) رواه ابن حبان (5996) . من طريق: القاسم بن الوليد، عن سنان بن الحارث بن مصرف، عن طلحة بن مصرف، عن مجاهد، عن ابن عمر به. وإسناده لا بأس به. ولفظه: (قام رجلٌ فقال: يا نبي الله! إني وقعتُ على جاريةِ بني فلان وإنها ولدتْ لي فأمر بولدي فليُردَّ إلي. فقال - صلى الله عليه وسلم:(ليس بولدك لا يجوز هذا في الإسلام والمدعى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم بينة الولد لصاحب الفراش وبفي العاهر الأثلب) فقال رجل: يا نبي الله وما الأثلب؟ قال: (الحجر. فمَن عَهَرَ بامرأة لا يملكها أو بامرأةِ قومٍ آخرين فولدت فليس بولده لا يرث ولا يورث ) ) .
(2) (المساعاة) : هي الزنا [معالم التنزيل للخطابي 2/ 321، النهاية لابن الأثير 2/ 935، زاد المعاد 5/ 426] .
(3) رواه الإمام أحمد (1/ 362) . ورواه أبو داود (2266) ، والبيهقي في (السنن الكبرى 6/ 259) من طريق يعقوب بن إبراهيم. كلاهما (أحمد ويعقوب) عن معتمر بن سليمان، عن سَلْم بن أبي الذيّال، عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وهو إسناد رجاله ثقات، لولا إبهام شيخ سلْم بن أبي الذَّيّال. وأعلّه المنذري في (تهذيب السنن 3/ 173) ، وابن القيم في (زاد المعاد 5/ 427) بجهالة روايه. لكن قال ابن مفلح [الفروع 9/ 227] : (الظاهر من حاله - أي سَلْم- أنّ صاحبَه ومَن يروي عنه ثقة، لاسيما وهو يروي عن سعيد بن جبير) . وكلام ابن مفلح له وجهُهُ خصوصًا مع ثبوت شواهده السابقة. وله طريقٌ آخر: رواه الطبراني في (الأوسط 1005) ، وفي (الكبير 12/ 49) والحاكم في (المستدرك 4/ 380) من طريق عمرو بن الحصين العقيلي عن معتمر به، وأسقط الرجل المبهم. وهذه الرواية خطأ واضحٌ.
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) . وتعقّبه الذهبي في التلخيص فقال: (لعلّه موضوع) . وقال ابن حجر (إتحاف المهرة 7/ 189) عن تصحيح الحاكم للحديث: (هذه مجازفة قبيحة فإن عمرو بن الحصين كذبوه) . وبه أعلّه الهيثمي في (مجمع الزوائد 4/ 263) . فإعلال هولاء العلماء بالوضع إنما هو للإسناد، وليس للحديث؛ كما فهم بعض الباحثين المعاصرين!!.
(4) سبق ذكره كاملًا ص 14.
(5) رواه البخاري في (4470) من حديث ابن عباس، ومسلم (1496) من حديث أنس - رضي الله عنه - واللفظ له-.