القول الثاني: أنه يصحّ استلحاق ولد الزنا. ونقل عن بعض
الفقهاء.
وممّن وقفتُ على رأيه من الفقهاء: سليمان بن يسار (ت 107 هـ) [1] ، وعروة بن الزبير (ت 94 هـ) [2] ، وعطاء (ت 114 هـ) [3] ، وإسحاق بن راهويه (ت 238 هـ) [4] ، وقال به بعض فقهاء الحنابلة [5] ، ونُسب اختيارًا لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) [6] ، واختارَه العلامة ابن القيم (ت 751 هـ) [7] رحمهم الله.
وقد نُقل القولان معًا (صحّة الاستلحاق، وعدم صحته) عن جماعةٍ من فقهاء السلف، ومنهم:
إبراهيم النخعي (ت 96 هـ) [8] ، والحسن البصري (ت 110 هـ) [9] ، ومحمد
(1) رواه الدارمي في (السنن 3106) ، ولفظه: (قال سليمان بن يسار:(أيما رجل أتى إلى غلام فزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمّه، ولم يَدَّعِ ذلك الغلام أحدٌ فهو يرثه) .
(2) رواه الدارمي في (السنن 3106) ، وفيه أنه قال مثل سليمان بن يسار.
(3) رواه عبد الرزاق في (المصنف 13854) ، وابن أبي شيبة في (المصنف 31416) أنه قال: (يرثه إذا عرف مواليه أنه ابنه، وإن أنكر مواليه وخاصموه لم يرث) .
(4) نصّ عليه في رواية إسحاق بن منصور (2689) ، ولفظه: قلتُ: رجل زنا بامرأة، ثم ادّعَى ولدها هل يلحق به الولد؟ قال إسحاق: (الذي يعتمد أن يكون يجلد الحد إذا أقرَّ أنه زنا، وإذا استيقن أن الولد منه لما استوثق منها أن يقبل الولد، وليس هاهنا خلاف لقول النبي - صلى الله عليه وسلم:(الولد للفراش، وللعاهر الحجر) ؛ لأنه لا فراش هاهنا، وهو عاهر).
(5) منهم أبو الخطاب فإنه قال: (يلحقُهُ بحُكم حاكمٍ) ، ومثله أبو يعلى الصغير. [ذكره في الإنصاف 23/ 490] . وهذا بخلاف ما ذكره أبو الخطّاب في (التهذيب) ، و (الهداية) .
(6) نسبه اختيارًا له: ابن مفلح في (الفروع 9/ 224) ، وابن اللحام في (الاختيارات ص 400) ، والمرداوي في (الإنصاف 23/ 490) .
وقد أطلق الشيخُ الخلافَ في (مجموع الفتاوى 32/ 112، الفتاوى الكبرى 3/ 178) . ولم يُصرح باختياره فيها.
بل وقفتُ على كلامٍ للشيخ في موضع آخر ينصّ على (أن نسب الابن يُلحق بأُمّه، ولا يلحق بالعاهر بحال) [الفتاوى الكبرى 3/ 352] .
(7) زاد المعاد 5/ 429. والظاهر أن ابن القيم لم يجزم بترجيح هذا القول؛ فإنه علّق الترجيح في المسألة على صحة الحديث؛ كما سيأتي.
(8) 1 - صحة الاستلحاق: نقلها عنه الماوردي في [الحاوي 8/ 454] ، وابن قدامة في (المغني 9/ 123) ونصّها: قال إبراهيم النخعي: (يلحقه الولد إذا ادّعاه بعد الحد، ويلحقه إذا ملك الموطوءة وإن لم يدعه) .
2 -والمروي عنه خلافُهُ: وهو عدم اللحوق، فروى ابن أبي شيبة في (المصنف 31419) ، والدارمي في (السنن 3110) بإسناد لا بأس به أن إبراهيم قال: (لا يرث ولد الزنا، إنما يَرثُ مَن لم يقم على أبيه الحدّ، أو تملَّكَ أُمَّه بنكاحٍ أو شراء) . وهذا صريحٌ بأنه لا يَثبت نسبُه، ولعلّه الأصوب عنه.
(9) 1 - صحة الاستلحاق: نقلها عنه إسحاق بن راهوية [مسائل إسحاق بن منصور الكوسج 2689] . وذكر الماوردي في [الحاوي 8/ 454] أن الحسن البصري قال: (يلحقه الولد إذا ادعاه بعد قيام البيِّنة) . ... =
= وذكره ابن حزم في (مراتب الإجماع ص 57) ولم يذكر قيام البيّنة.
وذكره ابن قدامة (المغني 9/ 123) إذا أقيم عليه الحد. ورواه عبد الرزاق في (المصنف 13855) وذكر أنه رُوي عنه مثل قول عطاء في الأَمة.
2 -وقد جاء عنه التصريح بعدم اللحاق. فروى الدارمي في (السنن 3111) عن الحسن: في الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: (لا بأس إلا أن تكون حُبْلَى فإنّ الولدَ لا يَلحقه) . وهذا نصٌّ صريحٌ بعدم لحوقه.